السبت، 15 يناير 2011

تونس ابن خلدون والشابي

كان الوقت عصرا .. حين حطت الطائرة في أرض (أليسار ملكة قرطاج) أول ملكة عربية في التاريخ، وصلت الفندق وبعد أن استقرت حقيبتي في الغرفة المخصصة لي في الفندق .. سارعت إلى مغادرة الفندق لأكتشف على الأقل الشارع الذي سأقيم فيه قبل حلول الظلام.. لم أكن أعرف بعد أن احتفاء الشعب التونسي بشهر رمضان المبارك يفوق ما تشهده بعض المدن العربية التي تضرب بيد من حديد على من ينتهك حرمة الشهر الفضيل اجلالا وتقديرا.وقفت بباب الفندق وسألت عن الطريق إلى باب تونس القديمة، وقد أخبرني سي مختار الرصاع (رئيس مهرجان المدينة آنذاك ومن مؤسسي جمعية حماية وصيانة مدينة تونس) أن الفندق يقع على مقربة منها، .. ولم أكن قد التقيت بعد بأحد من وفود مهرجان المدينة.أحب استكناه رائحة ومذاق المدينة التي أزورها لأول مرة وحدي، كان هناك يقف ممشوقا يضم كتابه إلى صدره، الكتاب الذي أضاء وأسس لعلم لم يترجم في بلادنا وعيا اجتماعيا أو سياسيا، ولم نقدره حق قدره نحن العرب، كما استفاد منه الغرب. اجتزت الحديقة الصغيرة المحيطة به وجلست إلى جوار شابين يتأبط كل منهما كراسات وكتب عرفت منهما فيما بعد أنهما يدرسان التاريخ ، أشار الشاب إلى مبنى الكاتدرائية على يمينه ومبنى آخر من الطراز الفرنسي على يساره قائلا: هذا مقر الانتداب الفرنسي وهذه الكاتدرائية وهناك خلف ابن خلدون تونس القديمة.. بعد أن تجولت قليلا في أزقة المدينة، أستحضر أسماء مشغولات وصناعات قرأتها في الكتب المدرسية من زرابي وأواني للأطعمة، نبض حار لمدينة جمعت بين الأصالة والتمدن..لم يتوقف هذا النبض من ق.م حتى هذه اللحظة. كان علي أن أعود للفندق فقد اقترب موعد الإفطار وسألتقي أصدقاء عرب وآخرين من مختلف أنحاء العالم على مائدة الإفطار في فندق الهناء، سألتني الصديقة وفاء قسوس: أين كنت.. سمعت بأنك وصلت بحثت عنك ولم أجدك؟ أجبت وإشراق داخلي يبعث بالكلمات من مخيلة كنت ظننتها نضبت: كنت عند ابن خلدون، ولقد سألته لماذا يعطي ظهره لتونس القديمة؟ فأجابني بأنه مطمئن على إرث تونس الثقافي، لذا هو يطل على شارع بورقيبة الجديد ليتابع ما ستؤول إليه المجتمعات الجديدة في تونس.. أثناء متابعتي غليان الشارع في تونس الحبيبة لفت انتباهي أن التغيير جاء من هناك.. ما بين باب بحر (التشديد على تسكين حرف الحاء كما ينطقه التوانسة) و نصب ابن خلدون وشارع البحر ،الذي أطلق عليه فيما بعد شارع الحبيب بورقيبة !!!هناك الكثير من الذكريات ليس فقط عن مدينة تونس .. هناك جربة ومدنين،طبرقة مدينة المرجان ونابل مدينة الخزف، مطماطة وسوسة والحمامات وسيدي بوسعيد وقمرت .. كنت ألهث من مكان إلى مكان برفقة أصدقاء وصديقات، توانسة ولبنانية ومن فلسطين والأردن والعراق..أزور ما كنت قرأت عنه عن تونس الخضراء ..
لتونس والتوانسة ترنو الآن كل الأفئدة .. والأرواح المنهكة ..
حماك الله يا تونس وعاش البوعزيزي الذي أضاء
بناره عتمات دروب الثورة هذه الكلمة التي كدنا نظن أنها صارت في غياهب النسيان .. صباح 15 يناير 2011

رسالة حب وعرفان

مصر التي في خاطري

" ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ" صدق الله العظيم

ستبقى مصر في خاطري أم الدنيا في البدء كانت المجلات المصرية ابتداءً من مجلة سمير وصديقه تهته إلى الكواكب وحواء ومن ثم آخر ساعة وصباح الخير وروز اليوسف.. وفيما بعد روايات الهلال العالمية والعربية ، والعربية هي روايات المنفلوطي أونجيب محفوظ، يوسف إدريس أو توفيق الحكيم ..

كنا ننهل من ثقافة عربية مصرية شاملة لكل أشكال الثقافة والفنون، فأصغيت مع أبناء جيلي إلى روائع الموسيقى العربية من السنباطي إلى بليغ حمدي.. وكانت السينما المصرية بالنسبة لنا هي السينما العربية، للتفريق بينها وبين الأفلام الأجنبية..

حتى وإن قال قائل أن المشرقيين كان لهم دور في ازدهار الفنون والثقافة في مصر.. فريد الأطرش وأسمهان ونجيب الريحاني ودولت وجورج أبيض وغيرهم..

ولكن كيف لهؤلاء أن يكونوا ما صاروا إليه من الشهرة والانتشار لولا أن مصر كانت أما وحاضنة رؤوم لإبداعاتهم..؟

هذه قبضة صغيرة من فيض مما كانت عليه مصر المعرفة والفنون..

أقول قولي هذا وأوكل أمري لله، وأنا أرقب وأتابع وزير الإعلام على شاشة التلفاز في مهرجان القاهرة للإعلام العربي يسلم جوائز الإبداع العربي للشباب المبدعين، لتتقاسم مناصفة بين جيلين لإنصاف الإبداع.

فقد ساوت جائزة الإبداع الموسيقي للأعمال التاريخية بين المعلم والتلميذ..

وفي رأيي المتواضع أن يحظى طارق الناصر بجائزة ذهبية بالتساوي مع رائد التجديد وأحد أعمدة الموسيقى العربية المعاصرة الموسيقار عمر خيرت، لهو بحد ذاته جائزة فوق جائزة ..!

كلما مر ذكر مصر .. تتسللني موسيقى السنباطي بصوت أم كلثوم وكلمات أحمد رامي..

(مصر التي في خاطري وفي دمي أحبها من كل روحي ودمي)

بيفاعتنا تعلقنا بمصر، فتعلمنا أبجدية الإنتماء وتشربنا حب الوطن، ودفعنا هذا الحب إلى التمعن في المكان والناس وكل ما
يمنحنا هوية نعتد بها..وعاهدناه أن لا ندير ظهورنا له أيا كانت العثرات التي نواجهها..

ولعل هناك من يشاطرني الرأي من أبناء جيلي، بأن لن ينقص من ولائي لوطني، أن أدين بما أنا عليه الآن، إلى ما نشأت عليه
من نتاج ثقافة مصر العربية..

واسلمي يا مصر


السبت، 18 أبريل 2009

قضايا شخصية جدا..

استيقظ مستبشرة.. نهار جديد..شمس جديدة..يقرع الباب .. فتمتد يد بفاتورة.. أبحث عن العوينات.. ويصطاد الرقم المدون والمطلوب فرحة النهار الأولى..أحيانا ألقيها فورا في صندوق المطالبات الشهرية تنتظر دورها في التسديد..لأستبقي الابتهاج بطلوع شمس جديدة.. أدير التلفاز وأبدأ بصنع قهوة الصباح.. يأتيني صوت رفيع حاد يسأل الضيف التلفزيوني:دكتوووور كيف ممكن نخلي اولادنا يقرأوا / أشك بأنها أمسكت كتاب بعد آخر امتحان في الجامعة / فأدلق القهوة في الفنجان.. بعد أن أخفض من صوت هذا الجهاز العجيب.. تمتد يدي بتردد إلى الأزرار المختصة بتدفئة المكان.. ماذا لو نضب الوقود؟ نبهني بالأمس حارس البناية بأن علي أن أملأ خزان السولار.. فأستدير لأفتح الستائر.. تنتشر أشعة الشمس في أنحاء غرفة الجلوس..هكذا أفضل.. أهمس لنفسي.. تبدأ المتاجر الجوالة بالنداء.. أثاث للبيع.. كوسى بندورة .. سيمفونية الغاز تتوقف في منتصف الشارع.. صوت ارتطام قوارير الغاز مع استمرار موسيقى الجاز.. عفوا الغاز!شاب فحل يدوخ سيارة.. صرير وغبار يمتزج برائحة بنزين نيء..أرفع من صوت التلفاز.. فينشج الباكي الشاكي.. وحوله تحوم جنيات الفيديو كليب..فأقرر البحث عن السكينة في محطة فضائية تبث تلاوة هادئة لأيات من القرآن.. أتذكر أن هناك أوراق يلزمني تحضيرها لاجتماعات بعد الظهر.. أفتح جهاز الكمبيوتر.. أبحث عن المادة المطلوبة.. ألقي نظرة على الطابعة.. لابأس سأنقل المواد إلى الذاكرة الصغيرة التي تشبه "ولاعة" ليس هناك من ورق.. رغم استخدامي لوجهي الورق في معظم الأحيان...أنتهي من قهوتي.. وأبدأ بالاستعداد للخروج من البيت..أحمل أوراقي وحقيبتي وأغادر البيت.. أشير لسيارة الأجرة.. يفتح السائق النافذة سائلا بفجاجة: إلى أين؟: أين تريدني أن أذهب.. ؟ذاهبة إلى عملي.. ماذا يضيرك أين يكون.. طالما أنت اخترت أن تعمل على سيارة أجرة..إذا كان لدي متسع من الوقت..أرفض المساومة.. أما في حالة اضطراري الوصول في وقت محدد.. فأتساهل وأجيب.. سأدفع نصف دينار زائد العداد تعويض عن الأزمة.. هل يناسبك ذلك..!!في الطريق.. على مقربة من الدوار الخامس، تطير كاسات بيبسي بلاستيكة وأكياس ملوثة انتفخت بمخلفات الوجبات السريعة من سيارة هامر سوداء فاخرة، في الشارع الموازي لأمانة العاصمة في راس العين.. ستنط حافلة كوستر من رصيف لآخر..الإشارة حمراء عند طلوع المصدار.. أبحث عن الرجل المشغول دائما في سحب الخيط من مكان أعتقد أنه وهمي..قيل لي أنه كان يمتهن الطب...! يتعالى النفير..وتندفع السيارات.. لا أحد يرى من أمامه وليس هناك من يلتفت إلى من خلفه أو جواره.. الجميع منشغل، إما بالحديث بالخلوي أو بكتابة رسالة.. أو سابح في شرود عميق...

قصاصات.. وأشياء أخرى

عليه أن يحزم ملابسه الآن ، وينظر في مجموعة الحقائب والصناديق التي خلفتها زوجته ورائها بعد أن غادرت ومعها الأطفال الثلاثة ، حيث أنتهى من نقل بعض قطع الأثاث إلى البيت الجديد .
مجموعة ملابس وأحذية ، جوارب ومعاطف كبر عنها الصغار منذ سنوات ، معطفها الشتوي الأخضر ، صندل وبعض الحقائب النسائية ، كم هي مغرمة في اقتناء الحقائب.
انبعثت في الغرفة رائحة غريبة ، مزيج من عطر وعطونة!
أشعل لفافة تبغ ، مد يد نحو كوب القهوة.
: هكذا أنت دائما تنسى قهوتك لأعود إلى تسخينها لك. جاءه صوتها .لا يهم سيشربها باردة.
احتضن الحذاء الرياضي الصغير.
أراد شراء قميص لنفسه ، لم يستطع تجاوز محل الأحذية حين لمح الأحذية الصغيرة.
توسل اليه ابنه أن يشتري له واحدا ، أجابه يومها : لا يوجد نقود.
إلا أنه في ذلك اليوم تسمر أمام المحل ، كيف سيدخل البيت ومعه مشتريات جديدة له ، سيشعر بالخجل من الصغير ، عاد إلى البيت بالحذاء من غير قميص. حسنا الآن سيسعد ابن الحارس به.
مغلف من الورق ، امتلأ بالقصاصات بألوان مختلفة ، بعضها كتب على نصف ورقة وبعضها على ورق مسطر من دفاتر المدارس ، والبعض الآخر ملون مقتطع من ورق لا يذكر مصدره الآن.
"بابا اسمح لي أن أذهب غدا بعد الانصراف من المدرسة مع صديقتي إلى بيتها "
"بابا اترك لي نصف دينار لو سمحت ، لأن معلمة الرسم ستأخذنا لزيارة معرض للرسم"
قصاصات بخط متلعثم وأخرى بلغة غير العربية.
" عد باكرا غدا ، سأذهب إلى السوق لأشتري بعض الهدايا لأمي وأخوتي قبل السفر"
عمله الخاص لم يكن يتيح له العودة للبيت في وقت مبكر ، وغالبا ما يكون الصغار قد أخلدوا للنوم وقد يغادر مبكرا في الصباح.
" لم أجد دجاج صغير ، تصرفي أنت " قصاصة مكتوبة بخط يده ، كانت ترفض أن تشتري حاجيات البيت ، رغم أنها جاءت من بلاد تؤمن بالمساواة ورفضت أن تعمل ، رغم أنها تحمل شهادة تؤهلها للعمل براتب مجزي ، فكان عليه أن يعمل ليل نهار لكي يؤمن لأسرته العيش في مستوى لائق.
كم يشتاق للثغة الصغير ، سيهاتف المحامي غدا ليتقدم بطلب لرؤية أطفاله.
شال وقبعات صوفية مشغولة يدويا ، حاكتها أمه لعروس ابنها الشقراء وطفله الأول.
جمع الحاجيات في صندوق كبير سيعطيها لأسرة حارس البناية غدا ، لف مشغولات أمه بعناية ، وضعها في حقيبة ملابسه مع مغلف الرسائل الداخلية وغادر !

عروس


ذهب الصغير برفقة عمته في زيارة إلى بيت جده..
استمتع الصغار بحكايات الأعمام والعمات.
أرهق الصغير الذي لا يكف عن توجيه الأسئلة.. الكبار من أفراد العائلة.
تفتق ذهن العم الكبير عن فكرة يدفع بها الصغير للذهاب للنوم
: ما رأيك يا ولد أن نجوزك؟
الصغير: وأين العروس؟
العم: ليس هناك من مشكلة.. غدا إنزل عالبلد.. وابحث عن عروسك.. وإن وجدتها.. تعال إلينا وسوف نخطبها لك.
راقت الفكرة للصغير.. سارع بالذهاب للنوم
استيقظ الولد قبل العصافير
ارتدى ثيابه على عجل.. وغادر بوابة البيت الكبير في طريقه للبحث عن عروسه
أثاره صوت السكون.. وبدا كأنه يسمع صوت ذاته
كيف يمكن أن تكون عليه عروسه
لابد أن تكون هي.. من يوقظ الطيور!
وأول من تلقي عليها الشمس تحية الصباح.. لتروي بالماء نبتات ريحان اصطفت على شباك غرفتها.
بشرتها.. لابد أن لها لون الحنطة..
ولشعرها ملمس الحرير
أما ضحكتها..
مزيج من كل مافي الطبيعة من همس وصخب.. ملونة كالفراشات.. مشرقة مثل شمس الصباح
مفعمة بحيوية لا تنضب.

استيقظت العصافير على وقع أنفاسه.. ارتفع صوت الزقزقات.. بدت له صاخبة.. تخيلها تنادي على بعضها البعض.. تشير عليه.. وتتساءل عما يبحث عنه الصغير..
بدت البيوت تشرع الأبواب.. وفتيات صغيرات تدفع بالماشية لتنضم إلى قطيع الراعي..
عبق المكان برائحة الصباح
وفاحت رائحة الزعتر والخبز المحمص مع الشاي بالميرمية
أستشعر بالجوع..
سيطلب من عمته أن تعد له عروسة الزعتر بالزيت وكوب من الشاي بالميرمية.. بعد أن يجد عروسه
يتمعن في وجوه الفتيات .. يدقق في كل حركة..
نشرت الشمس ضياءها على بيوت البلدة..
اتخذ مكانه عند شجرة زيتون معمرة.. هل يعود للبيت من غير أن يجد فتاته؟
وسرح…
على صوت مزمار راعي البلدة.. وبنت تربت على كتفه بيدها وتسأل استيقظ
: هل أضعت البيت ولا تعرف كيف تعود إلى أهلك..؟
كاد أن يشهق من الفرحة.. إنها هي.. العروس ..
وقفت الفتاة مشدوهة وهو يركض باتجاه الشرق..
وصل بوابة بيت عمه والشمس تميل للغياب..
أولاد الحارة أنبأوه بغضب العم الكبير وهلع العمات عليه..
: أين كنت ياولد.. قل أولا أين أمضيت النهار؟
صراخ العم الغاضب فاجئه..
: لقد وجدت العروس وعدت لأخبرك كي تذهب لخطبتها..
انقلب الموقف.. وصار عليه أن يسارع في إحضار الماء
فقد شرق العم بالضحك.. وهو يجهد في القول
: يا ولد.. يا ولد.. لا تصدق ما يقوله الكبار!!!

رم .. جبال في كبد السماء

سكون غامض يلف فضاء لانهائي لمدينة مسحورة لم تفك طلاسمها بعد…
بنايات فارهة متعالية موشاة بنحت فريد.. تتباين في شرفاتها ومقصوراتها فن عمارة ونحت لا يضاهى.
مدرجات مطعمة بأحجار كريمة ملونة..
جداريات ولوحات تشكيلية منتقاة..
صحراء سرابها مثل شال حرير أضاعته حورية من حوريات البحر نسيجه نور استل من شعاع الشمس والقمر…
كثبان رملية تثير في النفس رغبة الغوص في تلالها الوردية…
كشهقة وليد طالع للتو من نفق العبور للحياة… يجد القادم نفسه إلى وادي رم… يغمره ضوء شمس لا يملك تجنبه.. وتنهض أمامه جبال ذات مهابة لن يرتد عنها البصر.
كتلا هائلة من البناء الشامخ المتصل أحيانا كعمارة يمنية موغلة في القدم، والمنفصل في بعض الأحيان كناطحة سحاب عصرية.. تمتد بينها صحراء ذهبية شاسعة الاتساع توشك أن تفضي إلى نهاية الأرض.. امتداد سرمدي.. وأفق مترامي تعلوه جبال شاهقات.
نقوش ومقصورات… شرفات ودهاليز برسومات متباينة الخطوط… تكاوين ومنحوتات حملت تواقيع العصور القديمة.
مدينة ليست كالمدن تبعث في النفس شهية البحث عن لغز الحياة والموت .. البعث والخلود..
جبال تشكلت من رمال وحصى سفتها الريح من اليابسة للماء، ترسبت صخورا رسوبية بتكوينات امتلأت بتجاويف ومنحنيات شقتها الأمواج وكائنات بحرية فيما مضى.. هي الآن مأوى وملاذ يتقي بها الطير والحيوان نار شمس حارقة ولسع صحراء قارص وأذى الاقتناص.
خداع بصري وسراب مضلل واحساس بالضآلة، يصيب المرء لدى اجتيازه وادي رم لأول مرة.
جبال تناطح السماء.. صحراء ممعنة في الاتساع.. وكثبان يشتعل فيها الوردي..
حالة من الخشوع لهيبة السكون وجلال المشهد…
(وحسمى أرض ببلاد الشام يعرفها من رآها من حيث يراها لأنها لا مثيل لها في الدنيا، ومن جبال حسمى جبل يعرف باسم "إرم "
…وفي أخبار المتنبي وحكاية مسيره من مصر إلى العراق قال: حسمى أرض طيبة .. تنبت جميع النبات، مملوءة جبالا في كبد السماء.)
في النهار.. سماء حين تصفو زرقتها يتسلل ضياءها للتجاويف الجبلية… وتتدلى في الليل عناقيد ضوء… وتتسابق شهب، كل يبحث عن نجمته..وتبدو القمم الجبلية.. كغيوم داكنة في سماء الوادي.
نسر يطارد سرب حمام بري.. تنفلت منه لشقوق الجبال..فتهرول سحلية.. وينتصب النسر على حافة جرف يستجمع ثقته ليواصل التحليق مجددا.
في البدء كان الماء.. وكانت الارض تجد حلولا لبذور النباتات وتكتفي بما تمنحه السماء، تروي به شجيرات الغضا والرتم والتين البري والحبق..
بعض النباتات اختار لنفسه عنوان غير ثابت.. لذا عليها أن تزهر بسرعة قبل أن تحمل الريح بذورها مع الكثبان إلى عنوان آخر….
قطرات من سلسبيل تتسلل من بين تلافيف الجبال.. ما دفع العرب الأنباط لابتناء السدود لحفظ مياه القطارات، مثل سد درج وسد البرة، فيما بعد حذا الرومان حذوهم في بناء سد الرومية وغيره من السدود، حفظت قطرات المياه للسنين العجاف..
ولا يخلو معبد نبطي من حوض اغتسال دلالة على أهمية الاغتسال والطهارة عند العرب الأنباط..
أهمها معبد اللات، وكان قد شيد في عهد الملك "رب إيل الثاني" عام 90-70 ق.م عند نبع الشلالة..
تنتشر أشجار الرتم في الوديان المنخفضة، قد تمكث بذور شجرة الرتم في الأرض ما يزيد عن ثلاثين عام إذ لم يتوفر الماء الكافي لانباتها. أما أشجار التين البري فتلتصق بالسفوح، تصنع للهواة من متسلقي الجبال ظلا يستريحون عنده.
تتباين درجات الحرارة حتى في المسافات القصيرة فتنخفض درجات الحرارة في القمم الشاهقة التي تعلو إلى 1700 م 12 درجة مئوية عنها في المناطق المنخفضة والمفتوحة بالإضافة إلى أن التعرجات العديدة والمعقدة توفر منظومة ذات خصوصية من الظلال والضوء.
تنوع المناخ ما بين الجبل والوادي أدى إلى تنوع النبات، فنبت عرعر ينتمي لمناخ البحر الأبيض المتوسط على بعض سفوح الجبال، فيما انبتت البعض شجر الطلح الاستوائي وغطت نباتات الاقليم السوداني معظم المناطق.
واحتمت نبتات العيصلان وشجيرات الغضا والرمث بالكثبان الرملية لتحتفظ برطوبة تؤمن لها البقاء.

*****************

لم تغره مدن عصرية.. إنما أغرته امتيازات رم وعاش فرادة المكان كما عاش أجداده من قبل..
وما زال ساكن رم يتصرف بعفوية ويعتاش مما تؤمنه له الأرض من نبات وطير وماشية.. يشرب من لبن الماعز والناقة ويصنع اللبن والزبد، يأكل الخبز المعد على الحطب.
يميز البدوي العشبة برائحة تنبعث منها حتى وإن احترقت.. وابتكر طبابة خاصة من الأعشاب والمعادن والأحجار الكريمة وأحيانا النار.
النار التي بقيت متقدة تحت دلال القهوة حتى هذه اللحظة..ولم يزل القضاء العشائري سيد الأحكام.
وللبداوة منظومتها الاجتماعية المستنبطة من معطيات الحياة الفريدة للعيش .. فالبدوي بطبعه يعي ضرورة أن لا يهدر الانسان الماء والكلأ.. ويحرص على ماشيته مثلما يحرص على أفراد عائلته.. ويرفض تلبية دعوة وليمة إن أعدت من لحم أنثى ولود.
يعتبر بيت الشعر المصنوع من وبر الإبل أو شعر الماعز السكن الملائم في صحراء رم.. حيث يتيح التحكم في تبديل أو إغلاق الفتحات بما يتناسب مع حركة الشمس والريح غير المستقرة في غالب الأحيان.
وحين اكتشف ابن المنطقة فرادة المكان الذي يسكنه.. برع في الترويج له.. فهو يعرف كل حبة رمل في الجبل والوادي كما يعرف خطوط راحة يده.. ومهر في تسلق الجبال بحثا عن عشبة أو دابة شاردة.. كما تعرف على كل ما خطته الحضارات القديمة من كتابات ثمودية وعربية نبطية وزخارف تحكي للقادمين تاريخ القبائل التي استوطنت أو عبرت الوادي.
ومن المعروف أن قبيلة عنزة القادمة من بلاد اليمن، استوطنت الأرض التي يطلق عليها "حسمى" والواقعة حاليا شمال المملكة العربية السعودية وجنوب المملكة الأردنية الهاشمية.. إنها بوابة التجارة بين بلاد الشام والجزيرة العربية وبوابة الحجيج فيما بعد..
شهدت أرض حسمى حضارة دولة الأنباط وقبل ذلك الثموديون ومن ثم الأغريق والرومان.. وشق الخط الحديدي الحجازي رمالها في القرن الماضي.. وصفها لورنس أجمل وصف في كتابه المسمى باسم جبل في رم "أعمدة الحكم السبعة" كما أطلق البدو على عين " أم عينية" اسم لورنس حيث كان يغتسل.

**********

هنا قد يظن القادم إلى وادي رم أن ما يراه من أعلام شاهقات سرابا… واللون في الوادي متغير، فالطبيعة سيدة الموقف…
في الليل تشع المدينة الخرافية بما يمنحها القمر والنجوم من خيوط فضية ورمادية مائلة للزرقة وتبدو الجبال مثل غيوم وصلت بين الأرض والسماء… ويمكن لمن يحب أن يستضيء بالنار أن يجد مما هو ملقى في الطريق من أغصان شجر الغضا، كانت الريح قد ذرته، نارا تدفيء وتطهو وتضيء وتطيل سهره أيضا…
عند كل شروق.. تلتمع قمم الجبال مشعة بضوء الشمس… وقليلا قليلا تضاء الممرات والدهاليز بألوان خلابة تعكس اللون الوردي تارة واللون البنفسجي تارة أخرى…. وتشق لها طريقا مضيئا على صفحات الرمل.. فتشع من الوادي الألوان.. تتمازج مثل شال نسج بخيوط من حرير.. وكلما اشتعلت الشمس التهبت الألوان.. وبدت الكثبان مثل جسد من رخام وردي.
وللجبال الوردية كثبان وردية وتنث الجبال البيضاء رمالا تشع بياضا كلما توهجت الشمس…
وتتدرج ألوان الشفق من أزرق رمادي يقترب من الفضي في بعض ساعات النهار، ومن وردي لحمرة حارة في لحظات الغروب.
أما إذا تصادف قدوم الزائر في الليل… ولم يكن القمر بدرا…
فستبدو مدينة "رم" كمدينة أطفأت أنوارها…..
تشع المدينة الخرافية نجوما لن يشهد مثلها في أي بقعة من العالم.
وحين يطل القمر على رم يحمل الوادي اسم وادي القمر بجدارة… وتبدو الجبال مثل غيوم تصل بين الأرض والسماء…

يتيح صفاء السماء في الليل ودوران القمر بغيابه وإطلالته على الوادي للمهتمين بالفلك والمغرمين بدراسة حركة النجوم والكواكب، الجو الملائم للبحث عن المزيد من الصفاء والسكينة والسكون، لن تتهيأ إلا هنا.
إنها مساحة للروح والتأمل يتميز بها وادي رم قد يدفع المرء في الغالب، إلى أن يعيد حساباته وأولوياته وربما يجد حلولا لمشكلاته..
وكلما أوغل في الوادي واستشعر الإنسان الهواء المصفى، كلما اقتربت النفس من الروح.. واستدرج إلى حالة من التأمل تصغر أمامها الأشياء…
***********

الرمل صحيفة البدوي الصباحية… فيها يقرأ نقوش خطتها أقدام العابرين من خف جمل إلى قوائم طيور وسحالي.. مما أكسبه مهارة اقتفاء الأثر.. ومكنته السماء الصافية من اقتفاء حركة النجوم والرياح.. للاستدلال على الطرق ومهاب الريح… لغايات التجارة.

حين يهب إعصار خماسيني تبدو الريح مثل مارد خفي يقتحم الصحراء كموج هائج يحمل الرمال من بقعة لأخرى… تتلاحق أمواج الرمل واحدة تلو الأخرى وتتصاعد مثل أعمدة من دخان وتحفر الريح في الجبال… فلطالما كانت الريح واحد من أهم عوامل التغيير، سواء ما كان عاصفا ومزمجرا أو ما كان منها نسيما عليلا.. فبها تتغير صفحة الجبل ليبدو بعضها مستديرا حنونا بانحناءاته والبعض الآخر قاسيا صلدا ببروزاته، فيما تتشكل زخارف ونقوش ومنمنمات على جبال كانت الرياح بها رفيقة…

تتزود الصحراء برمال حتتها وسفتها الرياح من الجبال، فتتشكل الكثبان حسبما تلقى المكان، بعضها مخروطي كهرم يغري بالتزلج، والبعض الآخر مستدير كجرن ماء… إنها الريح تجتاح الأماكن المفتوحة بكثافة وتتسلل إذا لم يكن لها منافذ… إلا أنها لابد لها أن تغير من طبيعة الأشياء.

وتحمل الريح معها بذور النباتات.. من الصحراء إلى الجبال ومن الجبال إلى الصحراء، فتعلق شجرة بسفح جبل وتزهر الكثبان في الربيع…
وتجد الروح المغامرة في رم الجبل والصحراء، الأفق الذي يتسع للوثب والقفز والتسلق مثلما يتسع للسير والتأمل في النبات والحيوان، والإصغاء لصوت السكون والصدى.

وسينصت الزائر لجبل أم عشرين ما يروى عن فتية عشرون نسج تحديهم حكاية كانت وراء إطلاق الاسم على الجبل..
وستملأه الدهشة من بروج مشيدة كبرج بردة الكبير وأم فروث الصغير… حيث يصعد "صبّاح" وصحبه من المغامرين إلى عنان السماء..
تهب الرياح.. تعصف بالشجر وتنكث الأرض.. يصفر سيق ويتردد في جنبات الوادي صدى نداءات الرعاة وحداء إبل وثغاء ماعز… وتحمل الرياح رائحة خبز طازج وحطب عطري مشتعل..
تطير بذور التين البري والرتم والحرجل من سفح لوادي لتغيب بين ثنيات التراب تنتظر تسلل الماء..

غالبا ما يغادر الزائر "لرم" بمزاج مختلف عما كان عليه قبل اجتيازه الوادي.. وربما تمنحه هذ التجربة الفريدة قدرا من الشجاعة لتعديل أو تغيير أولوياته.. فالتأمل سيستدرج الزائر الى حالة تمكنه من الانصات لصوت السكون والاستغراق في الروحانيات… إنها مساحة للروح والخشوع لجلال وسحر المشهد الذي جسدته عناصر الطبيعة الأربعة في هذه المدينة الخرافية الغامضة والمتبدلة…
ويبقى الغموض الذي يلف المكان مبعث دهشة الانسان كلما قدم إلى وادي رم !!!!!
ربيعة الناصر
22 أيار 2004
نشرت في مجلة أفكار الصادرة عن وزارة الثقافة الأردنية
العدد 218

أسفار


أشارت بيدها بعد أن فتحت باب الشقة ضاحكة: منـزلك لأسبوعين فقط! من مدٍخل الشٍقةٍ.. تمكنت من التعرف على البيت كله!!! على اليسار غرفة النوم.. ومن اليمين تبين لها المطبخ.. موقد غاز بضعة أكواب.. ملاعق على الجدار..
أوجعتها ذراعاها ! هنا صالة الجلوس، هذا كل البيت!
تذكرت حديث المغتربين حول الطقس، استشعرت الدبق لا شك أن الحمام مرفق بغرفة النوم .
راودتها أُمنية ماكرة! ، تمّنت لو لم يكن هناك من ينتظر مجيئها! البيت..؟ لم تحلم بأكثر من هذه المساحة، على أن تكون لها وحدها، تغلقها على نفسها متى تريد وتشرعها متى شاءت ايضا . اتسعت الردهة.. مشجب تراكمت عليه معاطف شتوية يتضح أنها لسيدة شابة.. تعربش عليها معطف صغير المقاس! عاودها الألم في الذراعين.. وضعت أمتعتها على الأرض لتمعن في التعرف على مضيفيها . استرخت ذراعاها وابتسمت ، تلهفها للانفراد والاختلاء بروحها جعلها تسهوعن التخفف من حقائبها.
- أتركك الآن لترتبي ملابسك وتغتسلي سأعود إليك صباحا لتناول القهوة. سمعت صوت صديقتها، أعقبه صوت صفق الباب . اجتازت الصالة… على الجدار المواجه لباب المطبخ ، مكتبة برفوف خشبية وقوائم معدنية، مكتظة بالكتب، إنها روايات من الصنف المحبب لدى الصبايا اليافعات.. باللغة الإنجليزية، امام الكتب المصطفة ، توزعت مقتنيات عديدة، تشي بالأماكن التي زارتها المضيفة، تلك من الصين وهذه من الهند وغيرها ربما من كينيا ! مقعدان طويلان مجللان بمفارش محاكة يدويا، يبدو أنها جلبتها من إحدى دول أوروبا الشرقية ! تلفاز وفيديو وعدة القنوات الفضائية ، أشرطة تسجيل إلى جوار المسجل، أشرطة فيديو، إسطوانات ممغنطة.. نبتة لبلاب اشتبكت بحافة الستارة ستسقيها في الصباح/ لقد نال منها العطش/يبدو ذلك من جفاف تربتها!
امتدت يدها لفتح الستائر، أزالت مشبك الشعر النسائي عنها . قبل أن تطل من النافذة، التقت عيناها بوجه امرأة بملامح افريقية ، وكأنها تقف منذ عصور في انتظار من يخلع المشبك . فأعادت المشبك إلى وضعه الأول!
كم تشتاق إلى خلوة تكون فيها مع نفسها ، تتوق لعزلة تحتاج فيها أن تتحاور مع حالها؟
إمتلأ المكان بعبق قهوة ابتاعتها مساء أمس. تحمل قهوتها أّنى ارتحلت ! أدارت التلفاز وبدأت البحث في القنوات الفضائية أبقت المؤشر على محطة جديدة قيد الافتتاح تبث أغاني عربية قديمة لعبد الحليم حافظ و ليلى مراد!!!
شموع بأشكال وألوان مختلفة تناثرت على الزوايا وأسطح الأشياء، تذكرت حقائبها، ما زالت مركونة إلى جوار الباب الخارجي للشقة. حقيبتان فقط، واحدة للملابس والثانية أودعت بها أوراقاً وأقلاماً، وكتاباً تتحدث مقالاته عن عُمان ،المكان والناس والزمان، و بعض الخرائط للخليج والجزيرة العربية. ست شمعات اشترتها من محل الأفغاني في جبل اللويبدة، لم تكن تعرف لمن ستهديها، فتحت حقيبة الملابس؛ تناولت شمعة ووَضعتها على رف صفت عليه مجموعة تذكارات للمضيفة التي لم تعرفها، تلك السيدة النمساوية التي أفسحت لها مكانا في بيتها و خزانة ملابسها وستغادر بيتها دون أن تعرف وجهها أو وجه طفلها الصغير(سامي) المشرقي العربي الجذور والمقيم مع والده في شقة أخرى من البناية طيلة رحلة أمه!
على شاطئ البحر المكسور ! تم كسر أمواجه، ليتسنى إضافة مساحة من الأرض لإقامة أسواق تجارية ومطاعم ومقاه. تناولتا إفطاراً لا يختلف مذاق أصنافه عن الإفطار في(ست الشام) في دمشق أو(الترويقة) في عمّان، تصلهما أصوات الدردشات بلغات ولهجات و لكنات متعددة!
عائلة من بلاد الشام وأخرى من مصر.. شابان من الخليج العربي.. أطرف ما في المشهد، أن المستخدمات الأجنبيات يرطن بلهجة العائلة التي يعملن لديها، فيليبينية توبخ الأطفال باللهجة المصرية، وسيرلانكية تدلل وتغنج الصغير بلهجة لبنانية! كل يحكي لغة ولي نعمته!!!
أثناء مرورهما بمحاذاة البازار المقام على شاطئ بحر(أبوظبي) وقريبا من (المارينا مول) حيث كانت وابنتها (الوافدة) الجديدة على الخليج تغادران المقهى .
- ما رأيك أن تلقي نظرة على السوق هنا؟ سألتها وهي تتابع نظراتها الشاردة صوب المغادرين بمشترياته من (المول) الجديد.
توقفت ابنتها عند محل لبيع (الإكسسوارات العصرية).. بدأ الشاب اللبناني يعرض مقتنياته بكل لطف، في الوقت الذي لمحت شابا يرتدي لباسا عرفت منها ملامح بلاد من جنوب جزيرة العرب! اتجهت إليه: اليمن؟ هذه مشغولات يمانيه أليس كذلك؟ عقود وسبحات من العقيق والفضة ومختلف أنواع الأحجار الكريمة، ياقوت وجاد وفيروز سرحت ، لم تعد تلبس العقود منذ مدة .. كلما فكرت بلبس واحد تصدمها صورتها في المرآة تثير دهشتها النساء حين تتجاوز الواحدة منهن الشباب وتستمر في لبس العقود والأقراط،،، انتقت واحدا من العقود سآخذه لابنتي حتى وإن لن تلبسه!.. يكفي أنه مشغول بأيد يمانية، قد يأتي يوم تزور بلادا كنا نلثغ بها أطفالا بلاد اليمن السعيد ؛ ونحن نطوف العالم على خرائط الأطلس!
بعد أن وصلتها تأشيرة الزيارة لدولة الإمارات، اتصلت بالسفارة العمانية وطلبت القسم المسؤول عن منح التأشيرات: أنا مسافرة الى دولة الإمارات. لست ممن يرون في التسوق متعة أرغب في زيارة مسقط ، منذ ما يزيد عن الثلاثين عاما وأنا أتمنى زيارة بلاد اليمن وحين زار ابني عُمان في عمل تطلب منه الإقامة مدة شهر هناك، جاءني مأخوذا مما شاهده من حضور للطبيعة في كل من مسقط وصلالة والجبل الأخضر، إلى أن قال تمنيت لو رافقتني، تذكرتك كثيرا هناك .
لم تمنح تأشيرة ولكنهم أخبروها أن بإمكانها الحصول عليها من مكاتب السفارة في دولة الإمارات .
غادرت مبنى السفارة العمانية في (أبوظبي) المسيجة بغراس الريحان! انطلقت ممتلئة بالأمنيات الدافئة بقضاء رحلة طيبة من القائمين على وسم تأشيرة الزيارة.
من العين إلى البريمي انتظرت طويلا قبل أن يحضر راكب وجهته مسقط، كان عليها أن تأتي مبكرة. الشمس تتوارى خلف الأفق الممتد والقلق يبدو على وجه مضيفيها، ابتسمت مطمئنة إياهم : ليس هناك ما يقلقني.. إلا أن يحاسبني السائق على أجرة السيارة بالكامل، وهذا ما لا أتوقعه ! لو كنت هناك في بلدي لا يمكن أن أجازف بهكذا رحلة، أنا مطمئنة..! وأخيرا حضر شاب وجهته مسقط!
كانت معالم قلعة البريمي أول ملمح شاهدته حين اجتازت الفضاء العماني.. وقفت القلعة شامخة تحمل سمات الأرض من حولها!
تهيأ لها وكأن الأبراج تعتمر عمامة أو. . . هكذا بدت لها . الأرض تمتد ومن البعيد ارتفعت جبال تحرس حضارة الخليج. ما بين التوق واحتباس الدهشة وبين حالة غامضة من الحنين لأماكن كانت تثير وجدا وحنينا لا تدري مبعثهما ربما هو حنين للجذور..
هناك في عمق الجنوب من جزيرة العرب، هو الجنوب. حيث الفراهيدي و المسعودي ، والبحارة الاوائل بحر العرب و خليج عمان، صيادو اللؤلؤ وباعة العطر والبخور وإرث سيف بن ذي يزن وبلقيس.
٭ تسنى لها زيارة واحدة من بلدات الداخل أو الباطنة ، كما يطلق عليها البعض في دبي وعلى (هامش) مهرجان التسوق ، إلتقت (أيوب) النحات والفنان العماني الذي سبق أن التقته في ملتقى النحاتين العرب في مهرجان جرش عام١٩٩٩ .
في شارع الضيافة مرت الفرق الاستعراضية للبلدان المشاركة ، أضاءت الشارع فجأة فتيات يزهين بملابس ملونة اخّضر منها المكان! تبعهن مجموعة من الشباب بثياب ناصعة البياض وعمامات أنيقة تميز بها أبناء عمان!
- هذه الألوان من الملابس وغيرها قل أن تجدها في المدن . ألا ترى معي أنها أجمل وأرق من العباءة السوداء وغطاء الرأس الأسود؟ أذهلتني الألوان الاخضر والبنفسجي والأصفر والبرتقالي.. تميس به قدود النساء في بلدات الداخل وقراها ، فيما تحددت المرأة المدينية باللون الأسود.. أليس التمايز والتعدد في الألوان أكثر إشاعة للفرح والبهجة من وحدة اللون في ملابس المرأة ؟
وما الذي يمنع أن يكون للسدر والاثل أو السرح وألوان الشفق وانعكاسه على سطوح الأشياء..وقعه على قامات النساء، ألا ترى معي أن المرأة العمانية قد تكون ابتكرت زيها لتتخفف من وقع حدة الجبال وقسوتها!
كم يؤلم أن النساء في معظم المدن والقرى في أنحاء الوطن العربي.. خلعت عنها الزي الشعبي المنسجم مع الطبيعة ، والتحفت بالسواد! ألا يدلل ذلك على أن طبيعة الثقافة الشعبية أكثر انسجاما مع معطيات البيئة؟
من المسؤول عن إفساد الذوق لدى مجتمعاتنا ؟ أهو التحضر الزائف الذي أورثنا إياه عصر الحرملك والسلاملك؟
ابتسم ايوب البلوشي وقال في اعتداد محبب:- كيف لو عرفت أن في عمان ما يزيد على خمسين زيا شعبيا ؟
من رقة البحر وجموحه و من شموخ جبل مسندم وقسوته..وما بين وعورة بلدات ومدن الباطنة ورضاب عذب في صلالة ترنو عمان اليوم إلى بحار و شواطىء كانت يوما سيدتها . حتى وإن أغلقت / البيبان/ دونها لحقبة من الزمن !
عُمان بلد يختص بمذاق و نكهة ولون تميزه عن باقي مدن الخليج. عمارة مطرزة بنقوش امتزجت فيها خطوط من سواحل أفريقيا وآسيا، مع ما أبدعته مخيلة فنان كان البحر معلمه الأول.
(السواقة فن و ذوق و أخلاق) شعار مكتوب على شواخص موزعة في أنحاء العاصمة والمدن في بلدها لم تلمح شاخصة واحدة لهذا الشعار في مسقط! إنما لمسته سلوكا حقيقيا هنا في عمان وعلى امتداد الطرق الداخلية والخارجية!
في الطريق إلى مسقط سألت: كم بقي لنصل برج الصحوة؟
بضع دقائق! أجاب السائق.
فأين هو البحر إذن؟ أليست مسقط على البحر؟ تساءلت متلفتة.
- مسقط ، البحر بروحها ! أجابها الشاعر، عفوا بل السائق !!!!!
فردت خارطة الوطن، استحضرت تضاريس عمان مدينة مسقط تحتضن البحر!
قدمت للموظف في مطار (أبو ظبي) جواز السفر والتذكرة بعد أن ألقت بالحقائب على القبان. لديك ما يقارب ثمانية كيلوات زيادة عن الوزن المسموح به يا سيدتي! التفتت إلى أمتعتها، هذه حقيبة الملابس كما أتت بها من مطارعمان، فقط شال! حاكته نساء من صلالة وتلقته هدية من صديق مقيم هناك! والثانية فيها رزمة أوراق وكتابين و أقلام، رافقتها من بيتها في عمان ، إلا إذا كانت اللحظات/حين كانت تغافل الوقت والأصدقاء/ لترصدها في مفكرتها… قد أضافت بعض الوزن .
بخفة التقطت الحقيبة القماشية، بالكاد تزن مئة غرام فارغة، احتضنت الحقيبة.
هز الموظف رأسه موافقا ، وهكذا كان لزاما عليها أن تحمل مقتنياتها و حصيلة تسوقها بيدها من مكان إلى آخر!
تتخيل الأسرة تلتف حولها منتظرة هدايا الخليج !!! حق صغير من عطرعمان وآخر يدعى صلالة.. حفنة ياسمين اختزلت حدائق مسقط ابتاعتها من محال سوق مطرح القديم… مبخرتان فخاريتان بلون تراب صحار وبركاء..وحقان من بخور عماني…
سيفوح في البيت عبق الصندل والسنديان.. وستودع سلة الصياد المشغولة بسعف النخل، أوراق وصور وكتيبات لملمتها من أمكنة مختلفة.
عند نهاية شارع الشاطئ في القرم… أوقفا السيارة… سارا باتجاه البحر، توقفت/مقهى سهل حوران/نحمل أسماءنا أنى توجهنا !
توقعت أن أسمع ( بعدك ع بالي يا سهل حوران شرشف قصب و مطرز بنيسان) ابتسم صاحب المقهى مرحبا ، فيما هو يشير للنادل لإفساح مكان للزبائن الجدد: أنا من الجزيرة شمال سوريا ، صاحب المقهى الأول كان من حوران!
قبيل مغادرتها مدينة مسقط ، راق لها أن تطل على شارع الوادي الكبير ، توقفت عند دوار السفينة ، تلك التي أراد بها شبيبة عمانيون أن يثبتوا لأنفسهم أولا ومن ثم للعالم، عظمة البحارة الاوائل وريادتهم ! ..
وأثناء توجهها إلى محطة (روي): ماذا لو احتسينا القهوة معا؟ غصت بالكلمات فأومأت موافقة.
(كنت سعيدا بمرافقتك، خاصة حين أجدني ممسكا بيدك أثناء عبورنا الشارع، حيث أراك دوما تندفعين دون اكتراث للسيارات التي قد تداهمك، أتمنى لو أكون قريبا منك وانت تعبرين الشارع) ارتعش فنجان القهوة وتدفق فيض من الألم والحنين أهو التوق للاستئناس والرفقة ننشدهما حين يقبل علينا صقيع الشيخوخة.
في كل مرة كان يدور الحديث حول كيفية ضياع الأطفال عن أمهاتهم، كانت أمها تروي كيف ضيعتها مرة في أسواق دمشق القديمة والثانية في بلدة (المفرق) في الأردن، كانت تتملص دائماً ممن يقبض على يدها.
على الطريق العام مقهى في (سناو) سأل النادل :- أحمر أم أبيض؟ ابتسمت : أحمر .
الشاي ا لأبيض هو ما مزج بالحليب .
اتخذت المقعد الأمامي.. بدأت مشاهد (روي) تتسرب من أمامها أخذت السيارة المسرب اليمين وارتفعت شاخصة كتب عليها (صحار).
لم تزر صحار، ولا صلالة ،لكنها أخذت على نفسها وعدا أن يكون ذلك في القريب، وربما تتابع المسير إلى بلاد اليمن أيضا .
٭ بقلبها أطلت على الحارات القديمة في جبل القلعة (ربة عمون) ، المغيب تاريخها إلا فيما ورد عنها.. في (العهد القديم)! تهبط درج الكلحة لسوق البشارات، منتصف آذار تزدهي تلال مدينة عمّان بالنوار ، من شقوق الحجارة وبين ثنايا الأدراج، هنالك عشبة او نبتة مزهرة اكتشفت فضاء جديدا بعد أن قبعت زمنا تنتظرتسلل مياه الأمطار اليها ، فيما الأشجار منشغلة بغزل ثياب جديدة .
ثلاثة آلاف من الكيلومترات تفصل مدينتها عن مدينة مطرح ، ففيم فاض بها الوجد حين دلفت سوق مطرح القديم.. تفتنها الأسواق القديمة..
اجتازت الشارع متجهة إلى الكورنيش…
ارتضت تلبية دعوة ابنتها التي رغبت في تجربة العمل في الخليج.. بدأت تلح عليها في الحضور.كانت في حاجة للتحرر من حالة تلبستها.. وجدت نفسها مستغرقة في قراءة (تيسير سبول).
لم تكن قراءة لتزجية الفراغ، إنما محاولة لقراءته ، قراءة مختلفة، ضمن مشروع سينمائي برؤية جديدة .
سافرت مع (تيسير سبول) ليلا ونهارا.. روايته.. أشعاره.. مقالاته.. رسائله الخاصة لأصدقائه.. جمعتها من الأدراج المقفلة.. نفضت عنها الغبار.. كانت تقرأ الواحدة منها بتأن.. مبتسمة حينا ومقطبة في بعض الأحيان وآسفة في معظم الأحيان لأنه لم يتح لها التعرف عليه في حياته!
بحثت بين الحروف والكلمات، وبين ما قيل ومالم يقال عن مبعث أحزانه.. وعن ذلك الجرح الغائر المفتوح.. هل لمح وجوم القابلة فصرخ: أن لا جدوى ؟؟؟
التقت زوجته وزملاءه وأصدقاءه رفاق المدرسة والجامعة والمدينة.
هل لي أن أقول أني أحببت زوجك بعد قراءتي الجديدة لحياته وكتاباته! قالت للدكتورة مي اليتيم زوجة (تيسير سبول) .