الاثنين، 10 فبراير 2020

يساط أُمّي

جلوساً على البساط، تبدأ اللعبة، تتقافز الأصابع الصغيرة وتكرج صيحات فرح بريئة، هذه بيجامة بابا المخططة، وهذا قميص النوم المزهر لأمي، وهذا ثوب العيد المخمل الأزرق، وتلك تنورة عمتي المشجرة.
تمضي الساعات ونحن الصغيرات آنذاك، نبحث عن ثيابنا التي تحولت بمهارة الأمهات وخبرتهن التليدة في فنون التدوير من غير دورات تدريبية مدفوعة الرسوم، إلى قطعة فنية بديعة تحمي أقدام أفراد الأسرة من قارص البرد الكامن في أرضية البيت.
هذا البساط المخصص لتغطية الفراغات المتبقية من أرضيات البيت، نراها في الصالة الداخلية المخصصة لاجتماع العائلة، في غرف النوم إلى جوار السرير وفي الطرقة المؤدية للمطبخ والحمام.
لم تعد من أساسيات مهامنا المنزلية الآن، بل بتنا نستعيد ذكرياتنا بشراءها واقتناءها، صناعة سويدية من مخازن أيكيا أو صناعة هندية من مخازن كارفور.
جلسات إعداد البساط تبدأ من البيت، صرّة كبيرة (شرشف قديم) منتفخة، وممتلئة بملابس أفراد الأسرة القديمة.
في المساءات الشتوية، تفرد الصرة، وتبدأ الأم والعمة وحولها الأخوات الثلاث الصغيرات بالفتق والقص، والقص مهارة تتطلب أن تجعل من قطعة القماش حبلاً واحداً، يتم ربط الحبال القماشية، لتبدأ عملية اللف على شكل كرة، بعد تكوير حبال قصاصات القماش، تلقى في كيس مخصص لكرات القماش الجاهزة، ليصار إلى إرسالها للحائك لنسجها بسطاً تزين طرقات البيت.
لم أعرف شكل الحايك (النساج) ولم أر بحياتي شكل آلة النسيج التي كان يعيد بها تشكيل ملابسنا ببراعة واحتراف إلى بساط زاه الألوان، لكنه حتماً كان يستمتع بتوزيع الألوان بحس فنان تشكيلي.

الجمعة، 15 سبتمبر 2017

أنا لا أكذب بل أتجمل

بعد غياب ثلاث سنوات التقته، هانفها قائلا بولَََه: اشتقت لك كثيراً، لم أحس بالشوق لأحد كما أحسه الآن لك.
هتفت بدهشة بعد أن اتخذت مكانها في سيارته: ما أجملها، من أين لك بها ؟
 كانت هناك جرة صغيرة بحجم حبة خوخ تعلقت بخيط التف حول مرآة السيارة.
: هل أحببتها ؟ سألها محتضنا فرحتها، وبحركة درامية،
أوقف السيارة وبدأ بفك الخيط، التفت اليها وأحنى رأسه وقال:  جئت بها خصيصاً لك، من رحلتي الأخيرة للهند، آثرت أن أرى لمعان عيناك ودهشتك العفوية، لذلك علقتها في المرآة ولم أغلفها في ورق الهدايا اللامع كما نفعل عادة.
وقفت في الغرفة تبحث عن مكان يليق بالجرة الصغيرة بعد أن رشتها بعطره المفضل.
بعد أيام، في طريقهما الى المقهى الذي اعتادا أن يتناولا قهوتهما، توقفت أرتال السيارات أمام الشارة الحمراء، وبدأ الباعة يطلون من نافذة السيارة واحداً تلو الآخر، باعة الصحف والورد والفراولة، وهما منشغلان في الحديث عن أخبار الأصدقاء والعمل؛ وإذ بسلسلة من الجرار الصغيرة تغطي النافذة، توقفا عن الحديث لبرهة اكتسى وجهها بالدهشة الممزوجة بالعتب وتمتمت قائلة: إنها تشبه الجرة التي أتيت لي بها من رحلة الهند ! لن تتوب عن الكذب. هذا أنت !!!

انطلقت ضحكاتهما وصاحت الزوامير فالشارة خضراء

الخميس، 11 فبراير 2016

من الياسمين وُلد، وعاد إليه



مساء الأربعاء 29/4/1998
عدت من عملي مثقلة بيأس – يتسرب إلى الروح والقلب، مرهقة بإرهاصات مما يُسمع ويُرى ويُشاهد، تحتار النفس والروح والجسد.. وسؤال ُملّح .. من أنا ؟ أين أنا ؟ وأين كنت ؟ وإلى أين أذهب ؟ هل أنا إمرأة .. أريد ذلك فلم أطمح يومآ أن أكون غير ذلك ؟! هل أنا أم .. أُحب ذلك .. ولكن أخشى ما أخشاه أن تفقدني الحياة المادية أمومة قضيت فيها جل عمري !
 أنا أنسانة .. أنى لي أن أعرف ... ونحن نغرق في حالات ممسرحة من الحب والصداقة وحتى الأبوة والبنوة تقطر لزوجة وميوعة ودبقآ وكذبآ .
أحقآ أننا ننتمي إلى أمة ماجدة ... ونحن نتنافس في تضخيم رموز شائهة والصاق النبوة والحكمة والنزاهة والشجاعة ، بمن ملأوا الدنيا صياحآ وسفكاً، سطرته مئات الالاف من المجلدات دون أن تضيف للإنسان العربي حيثما كان انتماءً صادقاً لذاته الكلية ، نحن ذوات مقطعة الأوصال . سأبحث عني ويكفي ما نلته من نصال تحز العنق حتى الإختناق ، وتوشك أن تقضي علي .
أردت نزعي مما كنت فيه ، بحثت في مكتبتي عن كتاب يغسل عني التعب .. أمتدت يدي إلى كتيب صغير للشاعر نزار قباني كنت قد أشتريت مجموعة من الكتيبات من سنوات للصغار .
قرأت نساء نزار ، عادني إحساس أمومي مُحب:
والمرأة لا تخرج من ضلع رجل أبدآ
هوالذي يخرج من حوضها !!
ووقفت طويلآ لإيقاع رفيق رقيق
أريدك أنثى ..
لأن الحضارة أنثى ..
لأن القصيدة أنثى ..
وسنبلة القمح أنثى ..
وقارورة العطر أنثى ...
أريدك بأسم الطفولة أنثى ..
وبأسم الأمومة أنثى ...

مضت ساعتان وربما أكثر بأستغراق تام مع شعر نزاري، أستسلمت للنعاس، ويبدو أني نمت بعد أن أكتشفت أنني من يكتب الشعر :
أن المرأة هي التي تكتب الشعر ..
والرجل هو الذي يوقعه ...
والمرأة هي التي تنجب الأطفال .. والرجل هو الذي يوقع في مستشفى الولادة بأنه أصبح أباَ !!
الخميس 30/5/1998
في الصباح ... أثناء أستعدادي للذهاب إلى العمل .. تردد صدى قرأته ليلآ في خاطري ، ما المانع بأن أرتدي ثوبآ ..ألأن العمل يتطلب قمصانآ وبنطلونات؟  أرتديت قميصآ مزهرآ مع تنورة سوداء !!
رغبت أن أجمل شعري .. فصففته لي أبنتي لأني لا أتقن تصفيفه، أأضع قرط أمي الطويل الذي تتدلى منه حبات عقيق صغيره، أم أنه غير ملائم أن تهسهس الأقراط كلما تحدثت مع أحد الزملاء ؟! صرفت عني رغبة هسهسة القرطين ، وأكتفيت بقرط ذهبي صغير أشبه بازرار البذلات العسكرية ، لمحت علبة صباغ الأظافر ما المانع بعدأن أصغيت لصدى كلمات قرأتها بالأمس: عنبيه أطراف القدمين! .
أتممت ( زينتي ) وتوقف البث فجأة، من المذياع أعلن رحيل العاشق الكبير نزار قباني!
ذهلت .. لا لأني لم أتوقع سماع خبر الرحيل، أذهلتني المصادفة
علق أبني قائلآ أنها ليست مصادفة، أنه تخاطر لقد أستشعرت الحالة لحظة حدوثها نيسان ونزار ! علاقة جديلة تشي بازدهاء الحياة وتجددها بنسيان .
ولد نزار في 21 آذار ورحل في اليوم الأخير من نيسان ورحل في اليوم الأخير من نيسان، ممتلئاً بعبق الربيع، ليعود إلى دمشق حضنه الأول والأخير، مطمئنآ على عقد الثمر، ووري جسده التراب في مطلع أيار.
السبت 2/5/1998
صباحا في مقهى فندق الشام ، ملتقى الكتاب والفنانين والصحفيين يتداولون الأخبار عن وكان موعد موكب الجنازة حديث الجميع.
الأحد 3/5/1998
صباحآ أغتنى هذا الصباح بشهادات قدمها فنانون وأدباء وأصدقاء للراحل الكبير.
مساء- إمتلأ حي ( أبورمانة ) كعادته في الأمسيات الصيفية برواد المقاهي والحدائق من مختلف الأجيال – وأيار يرش الأرض عطرآ لطائر الحب ... وفي شارع نزار قباني – هدية دمشق لعاشقها ومصورها
يا أمي
أنا الولد الذي أبحر
ولا زالت بخاطره
تعيش عروسة السكر
فكيف ... كيف يا أمي
غدوت أبآ ...  ولم أكبر ...
مساء – في الطرق إلى ( الرواق ) نادي الفنانين القائم في المهاجرين وأثناء صعودنا من ساحة الجسر الأبيض بعدما تركنا شارع الصالحية خلفنا ألتقينا الدكتور الطبيب زهير أبورشة.
نشأت في بيت يهتم بالأدب ، لذا أحببت الشعر وتذوقته ، ولكن أهتمامي أنصب فقط على الشعر العامودي ، فأنا من جماعة ( شاعر القصيدة ) أي من مدرسة الشعر القديم..
نزار من مدرسة ( شاعر البيت ) ولكني لا أستطيع أن أنكر أنه أحدث مدرسة خاصة به، أنها بحق مدرسة نزار فلقد عبر نزار عن الصبايا والشباب في مرحلة ما.
الإنطباع العام عن ردود الفعل لرحيل الشعر الكبير ، متفاوتة ، أزعم أن بأمكاني أن اقول أن الفنانين – ممثلين ورسامين وشعراء أيضآ ( أقصد هنا المتذوقين وبعض الشعراء ) فتيان وفتيات سادهم حزن عميق ، بينما أستتكثر غالبية الكتاب أصحاب المدارس الأدبية والإتجاهات السياسية ذلك الحزن ّ
الإثنين4/5/1998
صباحآ .. وتحكي دمشق حكاية أجمل مدينة عمرها يزيد عن السته ألاف عام ، وشاهدها باب توما إلى شارع مدحت باشا في دمشق القديمة
..
بدأت رحلتنا إلى بيت نزار في حارة مرصوفة شوارعها بالحجارة البركانية السوداء .. تشي أبوابها والمزاليج ولون حجارة البناء، عن التقليد القديم لطريقة النعي المتعارف عليها في دمشق، حديث تبرز ( النعوة ) كما يطلق عليها الشوام، أقارب وأنسباء الراحل ذكورآ وإناثآ وفردآ فردآ مشيرة إلى إلى مكان وزمن تقبل العزاء.
وعند حمام الناصري .. تنادى للمارة عبارة تترد ( أحلى موتة أحلى موتة ) صوت أجش يترافق مع ( كرج ) عربة قمامة  أمتلأت بمخلفات الأزهار والورود وورق الآس.
 ولورق الآس عند الدمشقين مغزى خاص مرتبط بالموت.
 ( ضُمة آس ) باقة من أغصان شجر الآس، يحملها الأحبة ليضعوها على القبر.
كيف تكون الأحلى ميتة ؟  سألتُ أمرأةً تفترش الأرض بورودها لبيعها للمارة، أطلقت ضحكة ساخرة قبل أن تجيب: هذا الرجل يعمل ( حفار قبور ) بعد الظهر وفي الصباح ( عامل قمامة ) إنه سعيد اليوم، لأن موت الناس المهمّين، يعني له مبلغآ كبيراً يكفيه الشهر، عدا أن القمامة في مثل هذا اليوم ستكون من مخلفات الأكاليل! حتى آخر
بفضول توقفت لدى ( بائع شرقيات ) أمتلأ محله بالسجاد والبسط والأواني النحاسية القديمة لأسأل أين نحن من منزل القباني، "عليك ان تتجهى الان إلى (القشلت) مكان بمثابة ثكنة عسكرية وبعدها إلى (طالع فضة) أنه سبيل ماء إلى أن تصلي إلى الشارع الأيمن، ستصلين إلى (مكتب عنبر) بظهره بيت القباني أسألي المختار
جال بخاطري سؤال .. هل شهد عرار مولد نزار حين كان يدرس القانون في مكتب عنبر ؟
المنزل (135)
وصلنا إلى حيث المختار، يافطة عريضة معلقة على باب مشتل زراعي صغير لا يتجاوز مساحته خمسة أمتار "اين نحن من بيت نزار" أجابني وهو منشغل بتقليم الشجيرات الصغيرة، الباب الثالث في هذا الشارع رقم المنزل135
سواد علق بين نقوش الحجارة لتعاقب عقود عدة عليها، باب خشبي عريض علقت عليه (يد نحاسية) أمسكت اليد وقرعتها بالباب، رغم وجود الجرس الكهربائي المثبت إلى جانب الباب، أشار أحد المارة عليك بالجرس الكهربائي
وانفتح باب جنة ! شاب ثلاثيني ملتح وطفلة جميلة متعلقة ببنطاله، رحب قائلآ أهلاً وسهلاً تفضلي،اختصر عليّ وقتاً وعبارات اعتذار كنت أعددتها. .
إنها أرض الديار شامية، هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة العطر !
بيتنا كان تلك القارورة، ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر، إنما أظلم دارنا.
البحرة  تتوسط ساحة سماوية، ديوان مكشوف اصطفّت على جانبيه أرائك مخملية،  على الجدران علقت صور كبار العائلة وعدد من الأيات القرانية المذهبة، أشار المضيف إلى الديوان للجلوس، لكنني أثرت المقعد المجاور للبحرة ن حيث يتمكن المرء من أن يملأ مخيلته بصورة مكتملة لبيت شاعر الياسمين واللبلاب (قلب المحبوب) على الجدران والأدراج وحبال الغسيل، تزهو زهيرات أيار من ورد ونسيم وزنابق وجميل وخبيزة ومسكة مطوقة البحرة.
أقبلت صبية وبين يديها صينية نحاسية، حفلت بأكواب الشاي المذهبة، مُعد من مياه عين الفيجة، يتوسط كل كوب ملعقة مُذهبة، أرنو للدالية وقد تعمشقت الدرج والنوافذ وارتقت مظللة سطح البيت، تجيب السيدة: حين زارنا المرحوم أخر مرة وكان ذلك عام 1988 روى لي أنه تراهن مع أخته التي كانت تكبره في تسلق الدالية للوصول إلى السطح، فخافت ورفضت، فما كان منه وهو أبن الثانية عشرة إلا أن تسلق ليصعد السطح.
أخته ملهمة نزار ونصفه الاخر من المرأة، لقد روى نزار في إحدى اللقاءات التلفزيونية عن أخته التي أحرقت نفسها إحتجاجآ على تقاليد رفضت تزويجها بمن أحبت، وتفجر حزنه على الجسد الذي أحترق مرتين ، وأصبح الشعر معوله الذي حطم ودمر به (التابوهات) كلها.
غادرت الجنة، محمّلة بعبقها الذي لم يغادرني، ومن (مأذنة الشحم) إلى سوق  (البزورية) المعطر بالقرفة وجوزة الطيب وعود الند وكل أصناف (العطارة) ويشرق المسجد الأموي بطلته العريقة، إلى أن غرقت في صخب سوق الحميدية ..
*كُتبت قبل 18 سنة*



السبت، 4 يوليو 2015

معلم الرياضة

في الخمسينيات، انتقل "خازر الهلسا" من مدينته الكرك، ليتسلم عمله في مدرسة "عي" معلما للتربية الرياضية ومسؤولاً عن النشاط الكشفي في المدرسة.
ممتلئاً بحماس الشباب، وعى عال بالمسئولية الاجتماعية قبل أن تصبح مفهوماً عالمياً يتباهى به أصحاب المال والأعمال.
ناشطاً إجتماعياً، صاحب نخوة ومرؤة بالفطرة، من قبل اختراع كلمة (تطوع) في كل مكان يحل فيه، .
تشتهر قرية "عي" بكثرة الينابيع ويساتين الزيتون والتين وكروم العنب.
أثناء تجوله مع زملائه وأصدقائه من أهل القرية، لفت انتباه معلم الرياضة، أن مياه الينابيع تذهب هدراً بسبب القنوات الترابية البدائية، اجتمع مع أهالي البلد وشيوخها، أقترح الأستاذ خازر عليهم تشييد قنوات إسمنتيه، بدلاً من تلك القنوات الترابيه التي تتعرض للاندثار المستمر، ما يؤدي لتسريب المياه و ضياعها و هدرها، أعْجِبَ الأهالي بهذه الفكرة، و كتبوا العرائض لوزارة الزراعة، مطالبين بناء قنوات اسمنتية تسقي المزارع من غير هدر لمياه الينابيع، لم يأت خبر من العاصمة يجيب مطالب أهالي بلدة "عي" وكادت الفكرة أن تموت بسبب الإحباط الذي أصاب الناس لعدم اكتراث أهل الحكومة في عمان.
لكن أُستاذ الرياضه ومسئول النشاط الكشفي "خازر الهلسه" وفي يوم جمعة، اليوم الذي اعتاد أن يقضيه مع أسرته في الكرك، والذي كان قد اتفق مع إمام المسجد على إلقاء خطبة بعد أن ينتهي الإمام من خطبة الجمعة.
حضر للمسجد يرافقه عشرون طالبا من فريق الكشافة، وبعد أن أنهى إمام المسجد خطبته، ومن على منبر المسجد، وقف المعلم  "خازر الهلسا" وخاطب أهالي البلدة بضرورة المباشرة في مشروع قنوات الري، وحثهم على التفكير في آلية تنفيذ المشروع، وأنهى خطبته بقوله: ولمن يود التبرع، شباب الكشافة في انتظاركم.
في ذلك اليوم، تم جمع مبلغ 91 دينارا، سلمها لأحد الوجهاء الذي بدوره سلمها للمتصرف مطالباً بتنظيم الري في بلدة عي، وبدأت الآليات في مد قنوات اسمنتية في أنحاء البلدة.
يستذكر أهالي "عي" ذلك الحدث، كيف أن الأستاذ المسيحي ألقى "خُطبةً ثانيه" في المسجد بعد الخطبه الرئيسيه، وعن مشروع القنوات الإسمنتيه، وعن أعمال تطوعية أخرى لخدمة مجتمع البلدة، شارك بها الأهالي ومعلم الرياضة قبل أكثر من خمسين سنة.
ولم يكتف المعلم بتنظيم الري في البلدة، بل كان له الفضل في بناء مدرسة عي، وقد كانت في السابق غرفاً متناثرة ومستأجرة، بمثابرته في مطالبة وزارة التربية بتخصيص مبني مدرسي متكامل للمدرسة.
هؤلاء هم معلمونا الأوائل، رواد اجتماعيين


الاثنين، 30 ديسمبر 2013

حلوة يا دنيا - تقرير عن ربيعة الناصر | Roya

هذه قصتي.. ربيعة الناصر

يوم جديد من متحف الأطفال - قصص الأطفال مع ربيعة الناصر


حياة متجددة
عام   2000  كتبت خاطرة عن كيف وجدتني ما زلت في المدرسة مع اختلاف الأدوار، بعد 48 عاماَ من دخولي الصف الأول الإبتدائي للمدرسة.
والآن وبعد مرور أربعة عشر عاما على الألفية الميلادية الثانية، أجدني ما زلت أبدأ صباحاتي مع أطفال ويافعين جدد وأستكمل نهاري بالبحث والقراءة عما هو جديد في عالم أدب الطفل.
كانت عندي أحلام وتوقعات أخرى لمستقبل حياتي المهنية تختلف تماماَ عما أنا عليه الآن ..
شغفي بالقراءة بدأ بطريقة تختلف عن المألوف، منذ علمتني أمي القراءة، وهي لا تقرأ أو تكتب، ولم تقرأ لبياجيه أو تدرس أساليب تربية، القراءة والكتابة، وتلك قصة أخرى، فقد رفضت أمي أن يعلمني أبي والذي كان معلماَ خشية أن يعيقني أسلوبه الحازم في التعلم، فكانت تتلقى الدرس من والدي يوماَ بيوم لتعلمني إياه، نستمتع معاَ بالاكتشاف الجديد في فك مفتاح المعرفة.
وبعد أربع سنوات سأكتشف في السدة أفقاَ رحباَ هيئته لي سحاحير مكتظة بالروايات ودواوين الشعر.. وسأقضي عطلتي الصيفية أطير وأحلق بعيداَ مع روائيون وشعراء خلدت الكلمة أسمائهم في فضاء المعرفة البشرية.. وسأنطلق في البحث عن الكتاب في بيوت الأقارب وأصدقاء العائلة وصديقات المدرسة.. قدرتي في التعبير الكتابي تجاوزت مرحلتي الدراسية واستنجدت بي زميلاتي لكتابة مواضيع الإنشاء والتعبير، فأقايضهن بالكتب.. أذكر منهن صديقتي أميرة، قايضتها على قصة لوليتا وقد كنت أراها تتداول بين بنات الصف..
لم يكن على الإطلاق من بين أحلامي أن أكون معلمة، ليس استهانة بهذه المهنة، شغفي بالقراءة من روايات وشعر ومجلات ثقافية،تلك القراءات بعثت لدي رغبة بالكتابة، كنت أكتب يومياتي، وأحياناَ أختار مقاطع من شعر أو نص أعجبني فأدونه في دفتر يومياتي، وفي مرحلة الإعدادية حررت صحيفة يومية خاصة بي وبزميلاتي وأفراد عائلتي، وكنت قد سمعت حكاية الأخوين مصطفى وعلي أمين (بصرف النظر عن إشكالية الخلاف حول مواقفهم السياسية) من خلال معلمة اللغة العربية، حكاية صورت لي العزم الذي تحلى به كلا الأخوين في يفاعتهما لإصدار صحيفة، قاما بشراء ألة كاتبة قديمة سقط منها حرف لا أذكر ما هو الحرف الآن ولكن ما أذكره أنهما عملا إلى استبعاد الحرف الناقص في الآلة الطابعة من نصوصهما.
أصبحت أحلم بي صحافية، تتجول بين الناس تسمع شكاواهم وتلتقط أخباراَ طريفة.. لم يطل بي الحلم ..
ووجدتني معلمة للأطفال في مدرسة ومؤسسة تختلف عما هو متعارف عليها المدارس التي نشأت بها..
ورغم كل الظروف وطقوس الحياة المختلفة عما عهدته في مدينتي وبلدي.. وجدتني أعلم الصغار فك الحرف في مدارس البنات في مدينة من مدن الجزيرة العربية..
ارتديت من الملابس ما لم أعتده في حياتي السابقة وكنت لم أتجاوز الثامنة عشر من عمري، وبدأت حياتي الاجتماعية بصيغة لا تمت بصلة لتوقعاتي ..
ما علق بذاكرتي لست سنوات أمضيتها في مدينة الطائف بالدرجة الأولى تجربتي في تعليم الصغيرات وصحبة معلمات عربيات من كل قطر، وجمال طبيعي لجبال وبساتين منطقة الطائف.
خلال الست سنوات أصبحت أماَ لطفلين، استقبلت الحياة طفلي الأول على يد قابلة مصرية وطفلتي الثانية على يدي قابلة حلبية، وتعلق ولدي بمربية يمنية فاضلة، كانت ترعاه أثناء غيابي عن البيت..
نسيت موضوع الصحافة، لم أتوقف عن القراءة ووجدت كنزي في مكتبة صديق العائلة "سليم القبج" رحمه الله.. كان بيته ملتقى الجالية الأردنية والفلسطينية.. يلتقون على لعبة "البالوت" الشهيرة آنذاك، فيما تجتمع النساء في حوارات حول ما استجد في السوق من أدوات منزلية وأقمشة .. نتناول أطيب الطعام مما أعدته "أم سائد" وأختلس انشغال الفريقين لتفقد الكتب التي عمرت بها مكتبة أبي سائد.
أحتضن مجموعة كتب اخترتها تتناسب وموعد لعبة "البالوت" القادمة... .. ..


   

الأحد، 26 مايو 2013

لستب



امرأة عاشت قبل ما يزيد عن مائة عام ... ولدت ونشأت في قرية تربض على كتف جبل من جبال عجلون .

فيها من السرو والصنوبر شموخه ومن البلوط صلابته ومن الزيتون والكرمة عمقها وتجذرها .

امرأة امتلأت بعبق الدحنون والاقحوان والنرجس البري ...

لم تسمع برفاعة الطهطاوي ولا قاسم أمين... ولم تعاصر سيمون دي بوفوار أونوال السعداوي، ولا قرأت الماركسية .

و " لستب " اسم أطلق فيما بعد على بقعة جميلة من البقاع القريبة لعجلون.. وبالرغم من أعجمية الاسم.. فقد بقي الشاهد لأبناء القرى الجبلية هناك.. يروى عنفوان وفطنة امرأة ريفية.

لستب كما عجلون والقرى المنتشرة حولها.. تسيجها أشجار حرجية... متميزة بلون التربة الضارب الى الحمرة وتشكل حجارتها وصخورها منحوتات متماوجة ..

و" لستب" كما يروى عنه.. ضابط مملوكي متقاعد..

خلال عمله تعرف على معظم المناطق في جبل عجلون .. استهوته هذه البقعة وقرر الاستيطان بها.. ببناء قصر يكون بمثابة قلعة يطل منها على سفوح جبال تحتضن قرى صغيرة مثل حلاوة و ( فارة سابقا ) وخربة الوهادنة وغيرها. .

سيقرر الضابط المتقاعد..بحمايه نفر من الخفر.. أن يشيد قلعة بتسخير الفلاحين ليسودهم منها

بعد أن يشير بأصبعه إلى واحدة من القرى.. تقابل المكان الذي يقف عليه.. فكانت فارة*....

لم يكن لدى الفلاحين من خيار إلا الرضوخ للسيد المملوك

وهكذا أصبح على الرجال مغادرة القرية.. باتجاه الشرق لتلفح وجوههم شمس الصباح..وستشويهم شمس ما بعد الظهيرة أثناء العودة..

منهكى القوى والروح.. حيث النساء مخذولات متعبات.. فالزوج والأب والأخ وقد كن يرافقنه للحقل والكرم والوادي كمشاركات.. مسخر لدى المملوكي.. وسيضطلعن بدوره وحدهن إضافة لأدوارهن الاخرى المتعددة داخل وخارج البيت .

زفت صبية في القرية لشاب من الشباب المسخرين للعمل لدى لستب

في اليوم التالي للعرس استيقظت العروس..

فإذ برجلها الذي زفت اليه يتأهب لمغادرة البيت الذي شهد له بالفحولة.

نهضت مسرعة.. وقبل أن يجتاز عقبة البيت شعر بها تتبعه .

إلى أين !!

إلى العمل !!

أي عمل !! لن تذهب وليفعل "لستب" ما يريد .

انقضى إسبوع.. فجاء من ينقل له ولعائلته تهديد "لستب" إذ لم يلتحق بالعمل

أعلمته بنيتها الذهاب بدلا عنه لتعمل لدى ( لستب ) مع الفلاحين .. نطقت عيناها وملامح وجهها بالقول قبل أن ينطق لسانها .

صمت لإدراكه التام بالجدية والصرامة التي أعلنت قرارها. وفي الباكر من ذاك الصباح هبطت المرأة الوادي صاعدة الجبل المقابل مع رجال قريتها.. كانوا يسترقون النظر علهم يلمحون ترددا أو تراجعا .. لكن سحنتها غدت في صلابة الصخر..
سألها الضابط العثماني عن سبب تخلف زوجها.. فأجابته بأنها من سيقوم بالعمل..

هز رأسه موافقا "المهم ان لا ينقص عدد العاملين" لأن عائلته وأصدقائه ينتظرون بفارغ الصبر الانتهاء من البناء.. ويعدون أنفسهم بقضاء ربيع ممتع .

حزمت خصرها بزنار لتتمكن من رفع ثوبها قليلا .. وبدأت العمل .

أثناء تفقد الضابط المملوكي.. لحظ،

أنها تسارع إلى سحب ثوبها لتغطي ما بدا من ساقيها .

أثار تصرفها استغرابه فجاءها يسأل : لماذا ترخين ثوبك عند حضوري فقط .. وأنت تعملين مع رجال ؟؟

ردت بصوت تعمدت أن يسمعه الرجال : وهل هؤلاء رجال؟

إجابتها الجارحة أشعلت روح رجال استمرأت الذل لحين .

في اليوم التالي.. شارك الصنوبر والسرو والبلوط.. بحماية الرجال.. نشرت امرأة تقطن بالجوار بساطا أحمر على سطح بيتها.. إشارة للانقضاض على "لستب" وخفره حال تجمعهم.

وكانت نهاية لا بد منها.. لمن استعبد من ولدتهم أمهاتهم أحراراً

*فارة قرية في عجلون تدعى اليوم الهاشمية

الجمعة، 11 يناير 2013

بيت أصدقاء الحكايات والموسيقى


جاء إنشاء بيت أصدقاء الحكايات والموسيقى بسبب تنامي ظاهرة التراجع الكبير في القراءة وارتياد الأطفال للمكتبات والتواصل مع الكتاب، يتبنى بيت أصدقاء الحكايات والموسيقى برنامج متميز وممتع يعمل على تشجيع الأطفال واليافعين على قراءة الكتب والاستماع للقصص والحكايات باعتبار القص واحدة من أهم الأدوات التعليمية للصغار والكبار، مع توظيف الفنون (الموسيقى والشعر-الرسم-المسرح-الأشغال اليدوية) كوسيط للأدب في تنمية الخيال الإبداعي واكتشاف واكتساب القدرات والمهارات الإبداعية لتطوير أدوات الطفل من أجل تعزيز مهارات التفكير النقدي.
من خلال خبرتها الطويلة في التعليم والمكتبات المدرسية ومكتبات الأطفال العامة وكخبيرة في مجال أدب الطفل أسست ربيعة الناصر برنامج تعليمي تثقيفي يهدف إلى عقد أنشطة متنوعة تجمع بين الأدب والفنون يمارس خلالها الأطفال قراءة القصص والشعر والتعبير عن أنفسهم بالرسم والنشاط المسرحي والموسيقي والأشغال اليدوية، بحيث ينهمك الأطفال بشغف لساعات طويلة في عمل يعتمد بالأساس على أدواتهم الخاصة وأفكارهم الخاصة المبتكرة، دون الاستعانة بأي من الوسائل التكنولوجية والألعاب الجاهزة فتبدو استجاباتهم الحسية والعفوية المرحة أكبر شهادة لنجاح البرنامح.
يضم بيت أصدقاء الحكايات والموسيقى فريق مميز من الرواة والموسيقيين والرسامين والمسرحيين كما ينظم الدورات التدريبية للمعلمين وأمناء المكتبات والأباء والأمهات لتمكينهم في إغناء البيئة التعليمية للأطفال.
يستقبل بيت أصدقاء الحكايات والموسيقى الأطفال من عمر 3 – 15 سنة ومن جميع فئات المجتمع / مؤسسات تربوية ودور أيتام وجمعيات من عمان والمدن الأخرى، ومنذ تأسيسه استقبل ما يزيد 10000 طفل بالإضافة إلى مشاركته الأطفال في المناطق النائية والمتضررين من الحروب والكوارث في المخيمات.
لدى بيت أصدقاء الحكايات والموسيقى شركاء فعالين في مجال الطفولة وتنمية ثقافة الطفل في الأردن وخارج الأردن على سبيل المثال: معهد سرفانتس-معهد غوتة-المعهد البريطاني-رواد التنمية-منظمة أرض البشر-المكتبة الوطنية-مكتبات أمانة عمان الكبرى في الأردن
مؤسسة أنا ليند الأورومتوسطية-مؤسسة جدران في الاسكندرية- جمعية المن والسلوى ومكتبات السبيل في لبنان-مؤسسة دياكونيا السويدية في فلسطين
 القصة من الوسائل الناجحة في إيصال المعلومة والفكرة والمفاهيم والقيم الأخلاقية التي نريد. في الصحافة وفي التعليم وفي كثير من مناحي الحياة نحن نستعمل القصة، إنها الأسهل لإسداء نصيحة أيضاً، وقد استخدمت في الكتب الدينية، وفي حكايات إيسوب وكليلة  ودمنة وحكايات لافونتين وحكايات أندرسون والأخوان جريم. وقد توصلت إلى خلاصة عملي في التعليم وتنشئة أطفالي إلى أن أسهل طريقة للوصول للمتعلمين كانت عن طريق القصة، سواء بقرائتها من كتاب أوسرد حكاية شعبية أو حكاية عن تجربة شخصية.وهذا ما دفعني لإنشاء بيت للحكايات والفنون.ومن الحكاية ننطلق إلى رسم ما يدور في مخيلتنا وتمثيل الانطباع الذي تركته الشخصيات وأحداث القصة على تفكيرنا. 

الثلاثاء، 1 يناير 2013

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=q_-PJyBnQdA

السبت، 1 سبتمبر 2012

Jordantimes Report

Sat,01Sep2012


Skip to content.House of Tales and Music offers children enriching entertainment .

. .Written by: Muath Freij

As published in the Jordan Times



Years of experience in teaching and a devotion to reading led Rabeea Al Nasser to open the House of Tales and Music for children in 2010.



Nasser, who spent decades working in schools as a teacher and librarian, said that she always dreamed of establishing a place where she could read stories to children.
http://beamman.com/see-and-do/actitivies-entertainment/571-house-of-tales-and-music







"One of the things I wanted to be was a storyteller," she told The Jordan Times in a recent interview at her home.



While she had hoped to rent just one room and turn it into a venue for storytelling, the House of Tales and Music near the Seventh Circle is a more comprehensive facility, hosting not only a storytelling room, but also other rooms for drawing, theatre and music.



"The room children like most is the storytelling room," said Nasser, who began teaching in 1965 at the age of 18, when she moved to Saudi Arabia with her husband.



"At the time, women did not have many options. I thought that I would teach for a while and afterwards I would change my job and became a journalist," she noted.



After returning to Jordan in 1971, she taught in several cities, including Ajloun and Irbid.



"Although my dream was to work in media, I never regretted becoming a teacher because I liked it and I acquired good and new experiences," she said.



After 18 years as a teacher, the veteran educator worked in school libraries for another two decades.



Nasser said that in her career in education, she not only taught children, but learned from them as well.



"When I was working at a library in a private school in Jabal Amman, a student came and asked me to help her do a search on the Internet,” she recalled. “I did not know how to use the Internet, so I asked one of the students to teach me how to use the computer and write an e-mail," the former teacher recalled with a smile.



Nasser said her experience in schools helped her bring her current project to life.



"This project provides children with numerous activities that will enhance their skills in the future," the storyteller added.



The House of Tales and Music is open to all children, she said. Public school students use the facilities for free while private school students pay to use them.



In summer, she said, children can apply for a programme in which they take part in several activities for five hours daily.



Nidaa Saleh and Nibras Hassan, a pair of students who recently visited the house, expressed excitement over the activities they took part in.



"I liked the drawing room. In my free time, I always draw and the house gave me the opportunity to practise my hobby," eight-year-old Saleh said.



Hassan, 12, described Nasser’s storytelling as "magical".



"I enjoyed the stories I heard. The way she read us the story was entertaining," Hassan said.



From Nasser’s perspective, the House of Tales and Music is meant to give children a chance to do things they enjoy that also feed their minds and creativity, rather than wasting their time on mindless entertainment, especially her pet peeve: video games.



"Children enjoy listening to stories, drawing and listening to music. At the house, students can enjoy their time through beneficial activities rather than playing video games," Nasser indicated.



"I am really sad when I see children spend their whole time playing video games rather than paying attention to other good activities," she added.











السبت، 15 يناير 2011

تونس ابن خلدون والشابي

كان الوقت عصرا .. حين حطت الطائرة في أرض (أليسار ملكة قرطاج) أول ملكة عربية في التاريخ، وصلت الفندق وبعد أن استقرت حقيبتي في الغرفة المخصصة لي في الفندق .. سارعت إلى مغادرة الفندق لأكتشف على الأقل الشارع الذي سأقيم فيه قبل حلول الظلام.. لم أكن أعرف بعد أن احتفاء الشعب التونسي بشهر رمضان المبارك يفوق ما تشهده بعض المدن العربية التي تضرب بيد من حديد على من ينتهك حرمة الشهر الفضيل اجلالا وتقديرا.وقفت بباب الفندق وسألت عن الطريق إلى باب تونس القديمة، وقد أخبرني سي مختار الرصاع (رئيس مهرجان المدينة آنذاك ومن مؤسسي جمعية حماية وصيانة مدينة تونس) أن الفندق يقع على مقربة منها، .. ولم أكن قد التقيت بعد بأحد من وفود مهرجان المدينة.أحب استكناه رائحة ومذاق المدينة التي أزورها لأول مرة وحدي، كان هناك يقف ممشوقا يضم كتابه إلى صدره، الكتاب الذي أضاء وأسس لعلم لم يترجم في بلادنا وعيا اجتماعيا أو سياسيا، ولم نقدره حق قدره نحن العرب، كما استفاد منه الغرب. اجتزت الحديقة الصغيرة المحيطة به وجلست إلى جوار شابين يتأبط كل منهما كراسات وكتب عرفت منهما فيما بعد أنهما يدرسان التاريخ ، أشار الشاب إلى مبنى الكاتدرائية على يمينه ومبنى آخر من الطراز الفرنسي على يساره قائلا: هذا مقر الانتداب الفرنسي وهذه الكاتدرائية وهناك خلف ابن خلدون تونس القديمة.. بعد أن تجولت قليلا في أزقة المدينة، أستحضر أسماء مشغولات وصناعات قرأتها في الكتب المدرسية من زرابي وأواني للأطعمة، نبض حار لمدينة جمعت بين الأصالة والتمدن..لم يتوقف هذا النبض من ق.م حتى هذه اللحظة. كان علي أن أعود للفندق فقد اقترب موعد الإفطار وسألتقي أصدقاء عرب وآخرين من مختلف أنحاء العالم على مائدة الإفطار في فندق الهناء، سألتني الصديقة وفاء قسوس: أين كنت.. سمعت بأنك وصلت بحثت عنك ولم أجدك؟ أجبت وإشراق داخلي يبعث بالكلمات من مخيلة كنت ظننتها نضبت: كنت عند ابن خلدون، ولقد سألته لماذا يعطي ظهره لتونس القديمة؟ فأجابني بأنه مطمئن على إرث تونس الثقافي، لذا هو يطل على شارع بورقيبة الجديد ليتابع ما ستؤول إليه المجتمعات الجديدة في تونس.. أثناء متابعتي غليان الشارع في تونس الحبيبة لفت انتباهي أن التغيير جاء من هناك.. ما بين باب بحر (التشديد على تسكين حرف الحاء كما ينطقه التوانسة) و نصب ابن خلدون وشارع البحر ،الذي أطلق عليه فيما بعد شارع الحبيب بورقيبة !!!هناك الكثير من الذكريات ليس فقط عن مدينة تونس .. هناك جربة ومدنين،طبرقة مدينة المرجان ونابل مدينة الخزف، مطماطة وسوسة والحمامات وسيدي بوسعيد وقمرت .. كنت ألهث من مكان إلى مكان برفقة أصدقاء وصديقات، توانسة ولبنانية ومن فلسطين والأردن والعراق..أزور ما كنت قرأت عنه عن تونس الخضراء ..
لتونس والتوانسة ترنو الآن كل الأفئدة .. والأرواح المنهكة ..
حماك الله يا تونس وعاش البوعزيزي الذي أضاء
بناره عتمات دروب الثورة هذه الكلمة التي كدنا نظن أنها صارت في غياهب النسيان .. صباح 15 يناير 2011

رسالة حب وعرفان

مصر التي في خاطري

" ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ" صدق الله العظيم

ستبقى مصر في خاطري أم الدنيا في البدء كانت المجلات المصرية ابتداءً من مجلة سمير وصديقه تهته إلى الكواكب وحواء ومن ثم آخر ساعة وصباح الخير وروز اليوسف.. وفيما بعد روايات الهلال العالمية والعربية ، والعربية هي روايات المنفلوطي أونجيب محفوظ، يوسف إدريس أو توفيق الحكيم ..

كنا ننهل من ثقافة عربية مصرية شاملة لكل أشكال الثقافة والفنون، فأصغيت مع أبناء جيلي إلى روائع الموسيقى العربية من السنباطي إلى بليغ حمدي.. وكانت السينما المصرية بالنسبة لنا هي السينما العربية، للتفريق بينها وبين الأفلام الأجنبية..

حتى وإن قال قائل أن المشرقيين كان لهم دور في ازدهار الفنون والثقافة في مصر.. فريد الأطرش وأسمهان ونجيب الريحاني ودولت وجورج أبيض وغيرهم..

ولكن كيف لهؤلاء أن يكونوا ما صاروا إليه من الشهرة والانتشار لولا أن مصر كانت أما وحاضنة رؤوم لإبداعاتهم..؟

هذه قبضة صغيرة من فيض مما كانت عليه مصر المعرفة والفنون..

أقول قولي هذا وأوكل أمري لله، وأنا أرقب وأتابع وزير الإعلام على شاشة التلفاز في مهرجان القاهرة للإعلام العربي يسلم جوائز الإبداع العربي للشباب المبدعين، لتتقاسم مناصفة بين جيلين لإنصاف الإبداع.

فقد ساوت جائزة الإبداع الموسيقي للأعمال التاريخية بين المعلم والتلميذ..

وفي رأيي المتواضع أن يحظى طارق الناصر بجائزة ذهبية بالتساوي مع رائد التجديد وأحد أعمدة الموسيقى العربية المعاصرة الموسيقار عمر خيرت، لهو بحد ذاته جائزة فوق جائزة ..!

كلما مر ذكر مصر .. تتسللني موسيقى السنباطي بصوت أم كلثوم وكلمات أحمد رامي..

(مصر التي في خاطري وفي دمي أحبها من كل روحي ودمي)

بيفاعتنا تعلقنا بمصر، فتعلمنا أبجدية الإنتماء وتشربنا حب الوطن، ودفعنا هذا الحب إلى التمعن في المكان والناس وكل ما
يمنحنا هوية نعتد بها..وعاهدناه أن لا ندير ظهورنا له أيا كانت العثرات التي نواجهها..

ولعل هناك من يشاطرني الرأي من أبناء جيلي، بأن لن ينقص من ولائي لوطني، أن أدين بما أنا عليه الآن، إلى ما نشأت عليه
من نتاج ثقافة مصر العربية..

واسلمي يا مصر


السبت، 18 أبريل 2009

قضايا شخصية جدا..

استيقظ مستبشرة.. نهار جديد..شمس جديدة..يقرع الباب .. فتمتد يد بفاتورة.. أبحث عن العوينات.. ويصطاد الرقم المدون والمطلوب فرحة النهار الأولى..أحيانا ألقيها فورا في صندوق المطالبات الشهرية تنتظر دورها في التسديد..لأستبقي الابتهاج بطلوع شمس جديدة.. أدير التلفاز وأبدأ بصنع قهوة الصباح.. يأتيني صوت رفيع حاد يسأل الضيف التلفزيوني:دكتوووور كيف ممكن نخلي اولادنا يقرأوا / أشك بأنها أمسكت كتاب بعد آخر امتحان في الجامعة / فأدلق القهوة في الفنجان.. بعد أن أخفض من صوت هذا الجهاز العجيب.. تمتد يدي بتردد إلى الأزرار المختصة بتدفئة المكان.. ماذا لو نضب الوقود؟ نبهني بالأمس حارس البناية بأن علي أن أملأ خزان السولار.. فأستدير لأفتح الستائر.. تنتشر أشعة الشمس في أنحاء غرفة الجلوس..هكذا أفضل.. أهمس لنفسي.. تبدأ المتاجر الجوالة بالنداء.. أثاث للبيع.. كوسى بندورة .. سيمفونية الغاز تتوقف في منتصف الشارع.. صوت ارتطام قوارير الغاز مع استمرار موسيقى الجاز.. عفوا الغاز!شاب فحل يدوخ سيارة.. صرير وغبار يمتزج برائحة بنزين نيء..أرفع من صوت التلفاز.. فينشج الباكي الشاكي.. وحوله تحوم جنيات الفيديو كليب..فأقرر البحث عن السكينة في محطة فضائية تبث تلاوة هادئة لأيات من القرآن.. أتذكر أن هناك أوراق يلزمني تحضيرها لاجتماعات بعد الظهر.. أفتح جهاز الكمبيوتر.. أبحث عن المادة المطلوبة.. ألقي نظرة على الطابعة.. لابأس سأنقل المواد إلى الذاكرة الصغيرة التي تشبه "ولاعة" ليس هناك من ورق.. رغم استخدامي لوجهي الورق في معظم الأحيان...أنتهي من قهوتي.. وأبدأ بالاستعداد للخروج من البيت..أحمل أوراقي وحقيبتي وأغادر البيت.. أشير لسيارة الأجرة.. يفتح السائق النافذة سائلا بفجاجة: إلى أين؟: أين تريدني أن أذهب.. ؟ذاهبة إلى عملي.. ماذا يضيرك أين يكون.. طالما أنت اخترت أن تعمل على سيارة أجرة..إذا كان لدي متسع من الوقت..أرفض المساومة.. أما في حالة اضطراري الوصول في وقت محدد.. فأتساهل وأجيب.. سأدفع نصف دينار زائد العداد تعويض عن الأزمة.. هل يناسبك ذلك..!!في الطريق.. على مقربة من الدوار الخامس، تطير كاسات بيبسي بلاستيكة وأكياس ملوثة انتفخت بمخلفات الوجبات السريعة من سيارة هامر سوداء فاخرة، في الشارع الموازي لأمانة العاصمة في راس العين.. ستنط حافلة كوستر من رصيف لآخر..الإشارة حمراء عند طلوع المصدار.. أبحث عن الرجل المشغول دائما في سحب الخيط من مكان أعتقد أنه وهمي..قيل لي أنه كان يمتهن الطب...! يتعالى النفير..وتندفع السيارات.. لا أحد يرى من أمامه وليس هناك من يلتفت إلى من خلفه أو جواره.. الجميع منشغل، إما بالحديث بالخلوي أو بكتابة رسالة.. أو سابح في شرود عميق...

قصاصات.. وأشياء أخرى

عليه أن يحزم ملابسه الآن ، وينظر في مجموعة الحقائب والصناديق التي خلفتها زوجته ورائها بعد أن غادرت ومعها الأطفال الثلاثة ، حيث أنتهى من نقل بعض قطع الأثاث إلى البيت الجديد .
مجموعة ملابس وأحذية ، جوارب ومعاطف كبر عنها الصغار منذ سنوات ، معطفها الشتوي الأخضر ، صندل وبعض الحقائب النسائية ، كم هي مغرمة في اقتناء الحقائب.
انبعثت في الغرفة رائحة غريبة ، مزيج من عطر وعطونة!
أشعل لفافة تبغ ، مد يد نحو كوب القهوة.
: هكذا أنت دائما تنسى قهوتك لأعود إلى تسخينها لك. جاءه صوتها .لا يهم سيشربها باردة.
احتضن الحذاء الرياضي الصغير.
أراد شراء قميص لنفسه ، لم يستطع تجاوز محل الأحذية حين لمح الأحذية الصغيرة.
توسل اليه ابنه أن يشتري له واحدا ، أجابه يومها : لا يوجد نقود.
إلا أنه في ذلك اليوم تسمر أمام المحل ، كيف سيدخل البيت ومعه مشتريات جديدة له ، سيشعر بالخجل من الصغير ، عاد إلى البيت بالحذاء من غير قميص. حسنا الآن سيسعد ابن الحارس به.
مغلف من الورق ، امتلأ بالقصاصات بألوان مختلفة ، بعضها كتب على نصف ورقة وبعضها على ورق مسطر من دفاتر المدارس ، والبعض الآخر ملون مقتطع من ورق لا يذكر مصدره الآن.
"بابا اسمح لي أن أذهب غدا بعد الانصراف من المدرسة مع صديقتي إلى بيتها "
"بابا اترك لي نصف دينار لو سمحت ، لأن معلمة الرسم ستأخذنا لزيارة معرض للرسم"
قصاصات بخط متلعثم وأخرى بلغة غير العربية.
" عد باكرا غدا ، سأذهب إلى السوق لأشتري بعض الهدايا لأمي وأخوتي قبل السفر"
عمله الخاص لم يكن يتيح له العودة للبيت في وقت مبكر ، وغالبا ما يكون الصغار قد أخلدوا للنوم وقد يغادر مبكرا في الصباح.
" لم أجد دجاج صغير ، تصرفي أنت " قصاصة مكتوبة بخط يده ، كانت ترفض أن تشتري حاجيات البيت ، رغم أنها جاءت من بلاد تؤمن بالمساواة ورفضت أن تعمل ، رغم أنها تحمل شهادة تؤهلها للعمل براتب مجزي ، فكان عليه أن يعمل ليل نهار لكي يؤمن لأسرته العيش في مستوى لائق.
كم يشتاق للثغة الصغير ، سيهاتف المحامي غدا ليتقدم بطلب لرؤية أطفاله.
شال وقبعات صوفية مشغولة يدويا ، حاكتها أمه لعروس ابنها الشقراء وطفله الأول.
جمع الحاجيات في صندوق كبير سيعطيها لأسرة حارس البناية غدا ، لف مشغولات أمه بعناية ، وضعها في حقيبة ملابسه مع مغلف الرسائل الداخلية وغادر !

عروس


ذهب الصغير برفقة عمته في زيارة إلى بيت جده..
استمتع الصغار بحكايات الأعمام والعمات.
أرهق الصغير الذي لا يكف عن توجيه الأسئلة.. الكبار من أفراد العائلة.
تفتق ذهن العم الكبير عن فكرة يدفع بها الصغير للذهاب للنوم
: ما رأيك يا ولد أن نجوزك؟
الصغير: وأين العروس؟
العم: ليس هناك من مشكلة.. غدا إنزل عالبلد.. وابحث عن عروسك.. وإن وجدتها.. تعال إلينا وسوف نخطبها لك.
راقت الفكرة للصغير.. سارع بالذهاب للنوم
استيقظ الولد قبل العصافير
ارتدى ثيابه على عجل.. وغادر بوابة البيت الكبير في طريقه للبحث عن عروسه
أثاره صوت السكون.. وبدا كأنه يسمع صوت ذاته
كيف يمكن أن تكون عليه عروسه
لابد أن تكون هي.. من يوقظ الطيور!
وأول من تلقي عليها الشمس تحية الصباح.. لتروي بالماء نبتات ريحان اصطفت على شباك غرفتها.
بشرتها.. لابد أن لها لون الحنطة..
ولشعرها ملمس الحرير
أما ضحكتها..
مزيج من كل مافي الطبيعة من همس وصخب.. ملونة كالفراشات.. مشرقة مثل شمس الصباح
مفعمة بحيوية لا تنضب.

استيقظت العصافير على وقع أنفاسه.. ارتفع صوت الزقزقات.. بدت له صاخبة.. تخيلها تنادي على بعضها البعض.. تشير عليه.. وتتساءل عما يبحث عنه الصغير..
بدت البيوت تشرع الأبواب.. وفتيات صغيرات تدفع بالماشية لتنضم إلى قطيع الراعي..
عبق المكان برائحة الصباح
وفاحت رائحة الزعتر والخبز المحمص مع الشاي بالميرمية
أستشعر بالجوع..
سيطلب من عمته أن تعد له عروسة الزعتر بالزيت وكوب من الشاي بالميرمية.. بعد أن يجد عروسه
يتمعن في وجوه الفتيات .. يدقق في كل حركة..
نشرت الشمس ضياءها على بيوت البلدة..
اتخذ مكانه عند شجرة زيتون معمرة.. هل يعود للبيت من غير أن يجد فتاته؟
وسرح…
على صوت مزمار راعي البلدة.. وبنت تربت على كتفه بيدها وتسأل استيقظ
: هل أضعت البيت ولا تعرف كيف تعود إلى أهلك..؟
كاد أن يشهق من الفرحة.. إنها هي.. العروس ..
وقفت الفتاة مشدوهة وهو يركض باتجاه الشرق..
وصل بوابة بيت عمه والشمس تميل للغياب..
أولاد الحارة أنبأوه بغضب العم الكبير وهلع العمات عليه..
: أين كنت ياولد.. قل أولا أين أمضيت النهار؟
صراخ العم الغاضب فاجئه..
: لقد وجدت العروس وعدت لأخبرك كي تذهب لخطبتها..
انقلب الموقف.. وصار عليه أن يسارع في إحضار الماء
فقد شرق العم بالضحك.. وهو يجهد في القول
: يا ولد.. يا ولد.. لا تصدق ما يقوله الكبار!!!